ج / 6 ص -329- وَبِاللَّيْلِ، وَفِي الْأَيَّامِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الصَّوْمَ، وَهِيَ الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ، وَلَا فِي اللَّيْلِ الْمُجَرَّدِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَالَ الْأَئِمَّةُ: إذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ بِاللَّيْلِ لَا تَبَعًا وَلَا مُنْفَرِدًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِتْيَانُ بِصَوْمٍ مِنْ أَجْلِ الِاعْتِكَافِ، بَلْ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ مُسْتَحَقًّا شَرْعًا مَقْصُودًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَسَنَبْسُطُ أَدِلَّتَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَنَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ صَائِمٌ، أَوْ أَيَّامًا هُوَ فِيهَا صَائِمٌ، لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمٍ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ لَهُ إفْرَادُ الصَّوْمِ عَنْ الِاعْتِكَافِ وَلَا عَكْسُهُ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ.
قَالُوا: وَلَوْ اعْتَكَفَ هَذَا النَّاذِرُ فِي رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِهَذَا النَّذْرِ صَوْمًا، وَإِنَّمَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ بِصِفَةٍ، وَقَدْ وُجِدَتْ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا لَوْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ صَائِمًا عَنْ قَضَاءٍ أَوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ. أمَّا: إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَعْتَكِفَ بِصَوْمٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ وَالصَّوْمُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَهُمَا مَشْهُورَانِ.
أحدهما: لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ لَهُ إفْرَادُهُمَا، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَأَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنَّفِينَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصَّوْمَ وَالِاعْتِكَافَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِيهِ اسْتِئْنَافُ الِاعْتِكَافِ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ مُتَتَابِعَةٍ صَائِمًا فَجَامَعَ لَيْلًا، فَفِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ أصحهما: يَسْتَأْنِفُهُمَا.
والثاني: يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ دُونَ الِاعْتِكَافِ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَمْ يَفْسُدْ، وَلَوْ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْ الِاعْتِكَافِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، بَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُمَا، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا فَطَرِيقَانِ أحدهما: وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بَلْ لَهُ تَفْرِيقُهُمَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا لِلصَّوْمِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الِاعْتِكَافِ وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ كَعَكْسِهِ أصحهما: وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ لُزُومُ الْجَمْعِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا أَرَى لِمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهًا، بَلْ يَجْرِي الْوَجْهَانِ سَوَاءٌ نَذَرَ الصَّوْمَ مُعْتَكِفًا أَوْ الِاعْتِكَافَ صَائِمًا، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا أَوْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ، وَفِي لُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ.
أحدهما: أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ صَائِمًا وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بَلْ لَهُ التَّفْرِيقُ وَجْهًا وَاحِدًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالِاعْتِكَافَ مُتَقَارِبَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ مُبَاشِرَةٌ لَا تُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ،