فهرس الكتاب

الصفحة 2352 من 4102

ج / 6 ص -331- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ:"اعْتَكِفْ وَصُمْ"قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ:"عَشْرَةٌ مِنْ شَوَّالٍ"وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُوَلُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَبِحَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه"أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَوْفِ بِنَذْرِكَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ"أَوْفِ بِنَذْرِكَ اعْتَكِفْ لَيْلَةً"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ"إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا".

وَهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ وَلَا الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ اعْتِكَافِ لَيْلَةٍ وَسَأَلَهُ عَنْ اعْتِكَافِ يَوْمٍ فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَ فَيَحْصُلُ مِنْهُ صِحَّةُ اعْتِكَافِ اللَّيْلَةِ وَحْدَهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا رِوَايَةُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ"أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَاعْتَكَفَ عُمَرُ لَيْلَةً"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَبِحَدِيثِ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ"رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ رَفَعَهُ هَذَا الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ وَلَا يَرْفَعُهُ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ السُّوسِيَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَرْوِيهِ بَعْضُ الثِّقَاتِ مَرْفُوعًا وَبَعْضُهُ مَوْقُوفًا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ وَحُذَّاقُ الْمُحَدِّثِينَ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ اعْتِكَافِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فِي رَمَضَانَ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ فِي شَوَّالٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ، وَاسْتَدَلَّ الْمُزَنِيّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحِقٌّ لِغَيْرِ الِاعْتِكَافِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ"لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ"فَمِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ والثاني: لَوْ ثَبَتَ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الِاعْتِكَافِ الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ فَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَ مَا شَاءَ مِنْ سَاعَةٍ وَيَوْمٍ وَشَهْرٍ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا أَجْزَأَهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَأُحِبُّ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ".

الشرح: حَدِيثُ أُبَيِّ وَعَائِشَةَ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْمُهُ: النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، وُلِدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت