ج / 6 ص -181- مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعِدَّةَ أَوْ نَرَاهُ، قُلْتُ: أَوْ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"."
الشرح: حَدِيثُ كُرَيْبٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ شَقِيقٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ ثَانِيهِمَا أَوَاخِرُ الْكِتَابِ فِي شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، وَقَوْلُهُ (بِخَانِقِينَ) هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَتَيْنِ وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْعِرَاقِ قَرِيبَةٌ مِنْ بَغْدَادَ، وَكُرَيْبٌ هَذَا هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ، وَهُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ إحداها: إذَا ثَبَتَ كَوْنُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَأَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ، فَثَبَتَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ بِلَا خِلَافٍ وَفِي إمْسَاكِ بَقِيَّةِ النَّهَارِ طَرِيقَانِ أحدهما: فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: وُجُوبُهُ والثاني: لَا يَجِبُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَقَلِيلُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ والثاني: يَجِبُ الْإِمْسَاكُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَكَلَ قَبْلَ ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ كَانَ أَكَلَ وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ قَبْلَ الْأَكْلِ فَهَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أصحهما: يَجِبُ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِمْسَاكَ فَأَمْسَكَ، فَهَلْ هُوَ صَوْمٌ شَرْعِيٌّ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يُسَمَّى صَوْمًا شَرْعِيًّا، قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ هُوَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ، هَكَذَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ صَوْمٌ شَرْعِيٌّ أَمْ لَا. وَنَسَبُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ صَوْمٌ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهُ إمْسَاكٌ شَرْعِيٌّ يُثَابُ عَلَيْهِ والثاني: لَا يُثَابُ عَلَيْهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي. وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي إمْسَاكِهِ ثَوَابٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابَ صَوْمٍ.
قَالَ: وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَكَلَ ثُمَّ أَمْسَكَ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ حِينِ أَمْسَكَ. قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَهَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ النَّهَارِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ رَمَضَانَ وَلَا نَفْلٍ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ إمْسَاكٌ شَرْعِيٌّ يُثَابُ عَلَيْهِ، هَذَا كَلَامُهُ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى إمْسَاكِهِ وَلَا يَكُونُ صَوْمًا والثاني: يَكُونُ صَوْمًا والثالث: لَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فَاسِدَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.