ج / 6 ص -180- كُلِّفُوا بِذَلِكَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحِسَابَ إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ النَّاسِ فِي الْبُلْدَانِ الْكِبَارِ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَمَا سِوَاهُ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ بِصَرَائِحِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ"مَعْنَاهُ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ، يُقَالُ: غُمَّ وَغُمِّيَ وَغُمِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا وَالْغَيْنُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا، وَيُقَالُ: غَبِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَقَدْ غَامَتْ السَّمَاءُ وَغَيَّمَتْ وَأَغَامَتْ وَتَغَيَّمَتْ وَأَغَمَّتْ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ"الْمُرَادُ رُؤْيَةُ بَعْضِكُمْ، وَهَلْ هُوَ عَدْلٌ أَمْ عَدْلَانِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَلَا يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ إلَّا بِدُخُولِهِ، وَيُعْلَمُ دُخُولُهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ غُمَّ وَجَبَ اسْتِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ يَصُومُونَ، سَوَاءٌ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً أَوْ مُغَيِّمَةً غَيْمًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. وَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ، رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ"مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُرَتِّبُ وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا غَالِبًا مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ ثَوَابِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمَنَاسِكَ وَالْعَشْرَ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ بَاطِلٌ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ غَيْرُهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِلِ تَحْصُلُ، سَوَاءٌ تَمَّ عَدَدُ رَمَضَانَ أَمْ نَقَصَ. قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ لِتَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِهِمَا وَهِيَ الصَّوْمُ وَالْحَجُّ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ أَصْبَحُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ: إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ [لَزِمَهُ] قَضَاءُ صَوْمِهِ، لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يَلْزَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بِعُذْرٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَالْمُسَافِرِ إذَا أَقَامَ1. والثاني: يَلْزَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ الْفِطْرُ بِشَرْطٍ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ. وَقَدْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُمْ الْإِمْسَاكُ، وَإِنْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالنَّهَارِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لِمَا رَوَى شَقِيقُ بْنُ2 سَلَمَةَ قَالَ:"أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ رضي الله عنه وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ"وَإِنْ رَأَوْا الْهِلَالَ فِي بَلَدٍ وَلَمْ يَرَوْهُ فِي آخَرَ فَإِنْ كَانَا بَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ - وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ الصَّوْمُ، وَإِنْ كَانَا مُتَبَاعِدَيْنِ وَجَبَ عَلَى مَنْ رَأَى وَلَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ؛ لِمَا رَوَى كُرَيْبٌ قَالَ:"قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ: إذا قدم (ط) .
2 في النسخة المطبوعة من"المهذب":سفيان بن سلمة وهو خطأ ، والصواب شقيق وهو الأسدي أبو وائل الكوفي أحد سادة التايعين مخضرم عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وطائفة (ط) .