ج / 6 ص -182- الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ بِالنَّهَارِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، سَوَاءٌ رَأَوْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، هَذَا مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ: إنْ رَأَوْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْمُسْتَقْبِلَةِ، سَوَاءٌ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَأَخِرُهُ، وَقَالَ: إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَرَأَوْهُ فَلِلْمَاضِيَةِ، وَبَعْدَهُ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَإِنْ رَأَوْهُ فِي أَخِرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلِلْمُسْتَقْبِلَةِ، وَقَبْلَهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ إحداهما: لِلْمَاضِيَةِ وَالثَّانِيَةُ: لِلْمُسْتَقْبَلَةِ، وَاحْتَجَّ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ:"كَتَبَ عُمَرُ رضي الله عنه إلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ: إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ لِتَمَامِ ثَلَاثِينَ فَأَفْطِرُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَمَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَصُومُوا".
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه وَبِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ"أَنَّ نَاسًا رَأَوْا هِلَالَ الْفِطْرِ نَهَارًا فَأَتَمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما صِيَامَهُ إلَى اللَّيْلِ وَقَالَ: لَا حَتَّى يُرَى مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ بِاللَّيْلِ"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ:"لَا يَصِحُّ أَنْ يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْهُ لَيْلًا مِنْ حَيْثُ يُرَى"وَرَوَيْنَا فِي ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما، وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ وَلَا قَارَبَ زَمَانَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ فِي رَمَضَانَ فِي بَلَدٍ وَلَمْ يَرَوْهُ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ تَقَارَبَ الْبَلَدَانِ فَحُكْمُهُمَا بَلَدٌ وَاحِدٌ وَيَلْزَمُ أَهْلُ الْبَلَدِ الْآخَرِ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ تَبَاعَدَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أصحهما: لَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْآخَرِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الْعَبْدَرِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ. والثاني: يَجِبُ وَبِهِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي بَلَدٍ آخَرَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَفِيمَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أصحها وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ التَّبَاعُدَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَالتَّقَارُبُ أَنْ يَخْتَلِفَ، كَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالرَّيِّ وَقَزْوِينَ؛ لِأَنَّ مَطْلَعَ هَؤُلَاءِ مَطْلَعُ هَؤُلَاءِ، فَإِذَا رَآهُ هَؤُلَاءِ فَعَدَمُ رُؤْيَتِهِ لِلْآخَرَيْنِ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي التَّأَمُّلِ أَوْ لِعَارِضٍ، بِخِلَافِ مُخْتَلِفِي الْمَطْلَعِ. والثاني: الِاعْتِبَارُ بِاتِّحَادِ الْإِقْلِيمِ وَاخْتِلَافِهِ، فَإِنْ اتَّحَدَ فَمُتَقَارِبَانِ وَإِلَّا فَمُتَبَاعِدَانِ وَبِهَذَا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَآخَرُونَ. الثالث: أَنَّ التَّبَاعُدَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَالتَّقَارُبَ دُونَهَا، وَبِهَذَا قَالَ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمَطَالِعِ يُحْوِجُ إلَى حِسَابٍ وَتَحْكِيمِ الْمُنَجِّمِينَ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَأْبَى ذَلِكَ. فَوَجَبَ اعْتِبَارُ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الَّتِي عَلَّقَ الشَّرْعُ بِهَا كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ أَمْرَ الْهِلَالِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ. فَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ الْمَطَالِعِ كَمَا سَبَقَ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ شَكَّ فِي اتِّفَاقِ الْمَطَالِعِ لَمْ يَلْزَمْ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا الصَّوْمُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يَجِبُ بِالرُّؤْيَةِ لِلْحَدِيثِ، وَلَمْ تَثْبُتْ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ قُرْبِهِمْ مِنْ بَلَدِ