فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 4102

ج / 1 ص -92- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ وَلَكِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَظَنَّ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ نَجِسًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَالْمَنْصُوصُ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَمْ يَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْأَوَّلُ مِنْ ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ بِيَقِينٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ نَقَضْنَا الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَيُخَالِفُ الْقِبْلَةَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَا إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَهَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدها: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِأَنَّ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ بِالشَّرْعِ فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ والثاني: يُعِيدُ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: إنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ أَعَادَ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِيَقِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ لَمْ يُعِدْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ".

الشرح:هَذِهِ الْمسألة:لَهَا مُقَدِّمَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إرَاقَةُ الْآخَرِ، فَلَوْ خَالَفَ فَلَمْ يُرِقْهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ؟ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْأُولَى لَمْ يَلْزَمْهُ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُصَلِّي بِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ نَظَرَ إنْ بَقِيَ مِنْ الَّذِي ظَنَّ طَهَارَتَهُ شَيْءٌ لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ صَاحِبًا التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَاسُوهُ عَلَى إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إذَا اجْتَهَدَ فِي قَضِيَّةٍ وَحَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ حَضَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الِاجْتِهَادَ.

وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا وَجْهٌ مَشْهُورٌ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ بَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَحْكُمَ بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ اجْتِهَادُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ ذَاكَ الْوَجْهُ هُنَا وَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الَّذِي ظَنَّ طَهَارَتَهُ شَيْءٌ فَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْآخَرِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا انْقَلَبَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ هَلْ يَجْتَهِدُ فِي الْبَاقِي ؟ وَقَدْ سَبَقَ. وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي. والثاني: وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا يُعِيدُ الِاجْتِهَادَ وَجْهًا وَاحِدًا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.

وإذَا عُرِفَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَأَعَادَ الِاجْتِهَادَ فَانٍ ظَنَّ طَهَارَةَ الْأَوَّلِ فَلَا إشْكَالَ فَيَتَوَضَّأُ بِبَقِيَّتِهِ إنْ كَانَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَيُصَلِّي، وَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ الثَّانِي فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي وَلَكِنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةِ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا نَقَلَ حَرْمَلَةُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي، فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ لَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ غَلِطَ الْمُزَنِيّ عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَاَلَّذِي يَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي كَالْقِبْلَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت