فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 4102

ج / 1 ص -93- وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُصَنِّفِينَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَالْمَذْهَبَ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ، وَأَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ضَعِيفٌ وَضَعَّفُوهُ بِمَا ضَعَّفَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٌ فِي تَعْلِيقِهِ: أَبَى أَصْحَابُنَا أَجْمَعُونَ مَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: وَقَالُوا هَذَا مِنْ زَلَّاتِ أَبِي الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ مَا غَلِطَ الْمُزَنِيّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي حَرْمَلَةَ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَا يُحْتَاجُ إلَى حَرْمَلَةَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهَا فِي"الأم"فِي بَابِ الْمَاءِ يَشُكُّ فِيهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الثَّانِي وَخَالَفَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ خَالَفَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَبَا الْعَبَّاسِ فِي هَذَا، وَقَالُوا: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي. فَهَذَا كَلَامُ أَعْلَامِ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ بِالْمَنْصُوصِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَجْمَعِينَ فَرَجَّحَ قَوْلَ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي وَلَا بُدَّ مِنْ إيرَادِ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ الْأَوَّلُ لِئَلَّا يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا لِلنَّجَاسَةِ بِيَقِينٍ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ الْأَوَّلُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ، لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ جَمِيعًا، قَالَ: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ الْأُولَى وَلَا صَلَاتِهِ بِهَا. وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِغَسْلِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ كَمَا أَمَرْنَاهُ بِاجْتِنَابِ بَقِيَّةِ الْمَاءِ الْأَوَّلِ وَحَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ رحمه الله مِنْ أَنَّهُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَكْفِيهِ إمْرَارُ الْمَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عَنْ الْحَدَثِ وَمَرَّةً عَنْ النَّجَسِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ خِلَافُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعُضْو الَّذِي تَيَقَّنَّا نَجَاسَتَهُ يَكْفِي غَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَهُنَا أَوْلَى إذَا لَمْ تُتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ هُنَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَلَا الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الثَّانِي وَلَا بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ. بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، أَصَحُّهَا الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْبَقِيَّةِ بَقِيَّةٌ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا بِأَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لِطَهَارَتِهِ أَوْ غَيْرَ كَافِيَةٍ وَقُلْنَا: يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَإِنْ كَانَتْ الْبَقِيَّةُ غَيْرَ كَافِيَةٍ لِطَهَارَتِهِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت