ج / 6 ص -178- فَإِذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ فَهَلْ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْلَادِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ: لَا. والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ.
فرع: إذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُرْضِعِ إذَا أَفْطَرَتْ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا، فَلَوْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِإِرْضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا فَالصَّحِيحُ: بَلْ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ وَتَفْدِي، كَمَا فِي وَلَدِهَا بَلْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِفْطَارُ إنْ تَضَرَّرَ الرَّضِيعُ بِالصَّوْمِ وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِي جَوَازِ الْإِفْطَارِ بِهِ مَنْ سَافَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَغَرَضِ غَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ وَغَيْرُهَا، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تُفْطِرَ وَلَا خِيَارَ لِأَهْلِ الصَّبِيِّ وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَعَلَى مَنْ تَجِبُ فِدْيَةُ فِطْرِهَا فِي هَذَا الْحَالِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ: هَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَمْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؟ كَمَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلتَّمَتُّعِ فَهَلْ يَجِبُ دَمُهُ عَلَى الْأَجِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي، وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا عَلَى الْمُرْضِعِ بِخِلَافِ دَمِ التَّمَتُّعِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَهُنَا الْفِطْرُ مِنْ تَتِمَّةِ إيصَالِ الْمَنَافِعِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُرْضِعِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نِسْوَةٌ مَرَاضِعُ فَأَرَادَتْ وَاحِدَةٌ أَنْ تَأْخُذَ صَبِيًّا تُرْضِعُهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، جَازَ لَهَا الْفِطْرُ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهَا.
فرع: لَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعُ أَوْ الْحَامِلُ مُسَافِرَةً أَوْ مَرِيضَةً فَأَفْطَرَتْ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ بِالْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ تَقْصِدْ التَّرَخُّصَ وَأَفْطَرَتْ لِلْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ لَا عَلَى نَفْسِهَا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي فِطْرِ الْمُسَافِرِ بِالْجِمَاعِ لَا بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ فِي جِمَاعِ الْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ لَا كَفَّارَةَ، كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا فَأَفْطَرَتَا
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُمَا إنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَا غَيْرَ، أَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَوَلَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ أَفْطَرَتَا لِلْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ، وَلَا فِدْيَةَ كَالْمَرِيضِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَيَفْدِيَانِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَامِلُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَلَا فِدْيَةَ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَتَفْدِي وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِقَوْلِ عَطَاءٍ أَقُولُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثُمَّ يَصُومُوا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"