فهرس الكتاب

الصفحة 2191 من 4102

ج / 6 ص -171- فرع فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّيْخِ الْعَاجِزِ عَنْ الصَّوْمِ

ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا صَوْمَ عَلَيْهِ. وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ. سَوَاءٌ فِي الطَّعَامِ الْبُرُّ وَالتَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَقْوَاتِ الْبَلَدِ. هَذَا إذَا كَانَ يَنَالُهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ. وَلَا يُشْتَرَطُ خَوْفُ الْهَلَاكِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَأَنَّهَا مُدٌّ، طَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لِكُلِّ يَوْمٍ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مُدُّ حِنْطَةٍ أَوْ مُدَّانِ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ. وَقَالَ مَكْحُولٌ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا فِدْيَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلشَّيْخِ وَالْعَجُوزِ الْعَاجِزَيْنِ الْفِطْرَ.

فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الْعَاجِزِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ تَعْجِيلُ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ كُلِّ يَوْمٍ، وَهَلْ يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ؟ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: فِيهِ احْتِمَالَانِ لِوَالِدِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَدَلِيلُهُ الْقِيَاسُ عَلَى تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَأَمَّا الْمُسَافِرُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ1 لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ فَرْضٍ لِلسَّفَرِ، فَلَا يَجُوزُ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ كَالْقَصْرِ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ وَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها"أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصُومَ. لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِلصَّائِمِ فِي السَّفَرِ:"إنْ أَفْطَرْتَ فَرُخْصَةٌ وَإِنْ صُمْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ"وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ:"الصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيَّ"؛ وَلِأَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ عَرَّضَ الصَّوْمَ لِلنِّسْيَانِ وَحَوَادِثِ الزَّمَانِ، فَكَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ، وَإِنْ كَانَ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ:"مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [فِي سَفَرٍ] 2 بِرَجُلٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". فَإِنْ صَامَ الْمُسَافِرُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ كَمَا لَوْ صَامَ الْمَرِيضُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ. وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْصُرَ. وَمَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ كَمَا لَوْ أَصْبَحَ الصَّحِيحُ3 صَائِمًا، ثُمَّ مَرِضَ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ فَإِذَا بَدَأَ بِهَا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ رُخْصَةُ السَّفَرِ كَمَا"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بضم الباء والراء.

2 سقط في النسخة المطبوعة من"المهذب" (في سفر) (ط) .

3 في النسخة المطبوعة"كما لو أصبح الصبح صائما (ط) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت