ج / 6 ص -170- يُمْكِنُهُ فِيهَا الصَّوْمُ، بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا: شَرْطُ إبَاحَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ يُشَقُّ احْتِمَالُهَا، قَالُوا: وَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: ثُمَّ الْمَرَضُ الْمُجَوِّزُ لِلْفِطْرِ إنْ كَانَ مُطِيقًا فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ يَحُمُّ وَيَنْقَطِعُ، وَوَقْتُ الْحُمَّى لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حُمَّى يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مَحْمُومًا وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ إنْ عَادَ الْمَرَضُ وَاحْتَاجَ إلَى الْفِطْرِ أَفْطَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثالثة: إذَا أَصْبَحَ الصَّحِيحُ صَائِمًا ثُمَّ مَرِضَ، جَازَ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: مَنْ غَلَبَهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ فَخَافَ الْهَلَاكَ لَزِمَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا؛ لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: من الآية29] وقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: من الآية195] وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَالْمَرِيضِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْعَاجِزُ، أَوْ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَفِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ أصحهما: لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَبَنَى الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَنَقَلُوهُمَا فِي أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّيْخِ الْعَاجِزِ الْخِطَابُ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْفِدْيَةِ لِلْعَجْزِ؟ أَمْ يُخَاطَبُ ابْتِدَاءً بِالْفِدْيَةِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِالْفِدْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
فرع: إذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَالْمَرِيضِ الْمَيْئُوسِ مِنْ بُرْئِهِ، وَكَانَ مُعْسِرًا، هَلْ يَلْزَمُهُ إذَا أَيْسَرَ؟ أَمْ يَسْقُطُ عَنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ كَالْكَفَّارَةِ (وَالْأَصَحُّ) فِي الْكَفَّارَةِ بَقَاؤُهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْيَسَارِ، لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَتِهِ، فَهِيَ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ هُنَا أَنَّهَا تَسْقُطُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أَيْسَرَ، كَالْفُطْرَةِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ حَالَ التَّكْلِيفِ بِالْفِدْيَةِ وَلَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ لَمْ يَفْدِ حَتَّى مَاتَ لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، قَالَ: لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي حَقِّهِ كَالْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ لَوْ مَاتَا قَبْلَ تَمَكُّنِهِمَا مِنْ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَإِنْ زَالَ عُذْرُهُمَا وَقَدَرَا عَلَى الْقَضَاءِ لَزِمَهُمَا، فَإِنْ مَاتَا قَبْلَهُ وَجَبَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدَّ طَعَامٍ، فَكَذَا هُنَا، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي.
فرع: إذَا أَفْطَرَ الشَّيْخُ الْعَاجِزُ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالصَّوْمِ. بَلْ بِالْفِدْيَةِ. بِخِلَافِ الْمَعْضُوبِ إذَا أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ قَدَرَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ. ثُمَّ اخْتَارَ الْبَغَوِيّ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَإِنْ قَدَرَ بَعْدَ الْفِدْيَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ عَلَى تَوَهُّمِ دَوَامِ عُذْرِهِ. وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.