ج / 6 ص -169- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِحَالٍ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّوْمُ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: من الآية78] وَفِي الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُمَا فَرْضُ الصَّوْمِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. والثاني: يَجِبُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ["الشَّيْخُ الْكَبِيرُ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ] 1"مَنْ أَدْرَكَهُ الْكِبَرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ صِيَامَ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ قَمْحٍ". وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما:"إذَا ضَعُفْتَ عَنْ الصَّوْمِ أَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا"وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا رضي الله عنه"ضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ عَامًا قَبْلَ وَفَاتِهِ فَأَفْطَرَ وَأَطْعَمَ"وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّوْمِ لِمَرَضٍ يَخَافُ زِيَادَتَهُ وَيَرْجُو الْبُرْءَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِلْآيَةِ، فَإِذَا بَرِئَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: من الآية184] وَإِنْ أَصْبَحَ صَائِمًا وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ أَفْطَرَ، لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِلضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ مَوْجُودَةٌ فَجَازَ لَهُ الْفِطْرُ".
الشرح: الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، وَالْأَثَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْأَثَرُ عَنْ أَنَسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَوْلُهُ: يُجْهِدُهُ هُوَ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَيُقَالُ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ - قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: يُقَالُ: جَهَدَ وَأَجْهَدَ إذَا حَمَّلَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَجَهَدَهُ أَفْصَحُ وَقَوْلُهُ:"بَرَّأ"َ، هَذَا هُوَ الْفَصِيحُ، وَيُقَالُ بَرِئَ وَبُرُوءٌ، وَقَدْ سَبَقَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ:
إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ أَيْ يَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا صَوْمَ عَلَيْهِمَا بِلَا خِلَافٍ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُمَا الْفِدْيَةُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
والثاني: لَا يَلْزَمُهُمَا، وَالْفِدْيَةُ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ صَحِيحِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَعَامَّةِ كُتُبِهِ. وَنَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَحَرْمَلَةَ مِنْ الْجَدِيدِ أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ فَصَامَ فَلَا فِدْيَةَ، وَالْعَجُوزُ كَالشَّيْخِ فِي جَمِيعِ هَذَا، وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثانية: الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا إذَا لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالصَّوْمِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالَةٍ لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفين ساقط من ش و ق ، فقد جاء حديث أبي هريرة منسوبا لابن عباس وحذف حديث ابن عباس. وهذا خلل كبير وقد تداركناه ولله الحمد والمنة (ط) .