ج / 1 ص -85- وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، وَكَذَا صَوَّرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ فَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَطَهَارَةِ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ.
وَأَمَّا الْمسألة الثَّانِيَةُ: وَهِيَ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَا، وَثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَاكَ، فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِمَا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"وَحَرْمَلَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ احْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ، وَمَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْمُخْبِرَيْنِ الثِّقَتَيْنِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِمَا.
وَأَمَّا الْمسألة الثَّالِثَةُ وَهِيَ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَا دُونَ ذَاكَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَثَلًا، فَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ وَلَغَ فِي ذَاكَ دُونَ ذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهَا فَقَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِمَا وَيَسْتَعْمِلُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لِأَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ قَوْلِهِمَا. وَقَطَعَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِأَنَّ الْمسألة:تُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا أَصَحُّهُمَا تَسْقُطَانِ والثاني: يُسْتَعْمَلَانِ وَفِي الِاسْتِعْمَالِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أحدها: بِالْقُرْعَةِ والثاني: بِالْقِسْمَةِ وَالثَّالِث يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُتَنَازِعَانِ.
قَالُوا: إنْ قُلْنَا يَسْقُطَانِ سَقَطَ خَبَرُ الثِّقَتَيْنِ وَبَقِيَ الْمَاءُ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، فَيَتَوَضَّأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِمَا جَمِيعًا، قَالُوا لِأَنَّ تَكَاذُبَهُمَا وَهَّنَ خَبَرَهُمَا وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِمَا لِلتَّعَارُضِ فَسَقَطَ، قَالُوا: وَإِنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلَانِ لَمْ يَجِئْ قَوْلُ الْقِسْمَةِ بِلَا خِلَافٍ وَامْتِنَاعُهُ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهَا لَا تَجِيءُ أَيْضًا كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُذْهَبِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ وَجْهًا أَنَّهُ يُقْرِعُ وَيَتَوَضَّأُ بِمَا اقْتَضَتْ الْقُرْعَةُ طَهَارَتَهُ وَحَكَى هَذَا الْوَجْهَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي"المجموع"فَقَالَ: وَيُمْكِنُ الْإِقْرَاعُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَا يَجِيءُ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ يُرِيقُهُمَا وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا صَاحِبُهُ الشَّاشِيُّ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَهُوَ شَاذٌّ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَجِيءُ الْوَقْفِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ"المجموع"وَالتَّجْرِيدِ، وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ، وَالْبَحْرِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُمْ: فَعَلَى هَذَا يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ، وَوَجْهُ جَرَيَانِ الْوَقْفِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَا يَمْنَعُهُ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ.
وَوَجْهُ قَوْل الْمُصَنِّفِ: لَا يَجِيءُ الْوَقْفُ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إنَاءَانِ وَاجْتَهَدَ وَتَحَيَّرَ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ يُرِيقُهُمَا وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ بِلَا إعَادَةٍ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي الْإِرَاقَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِالْوَقْفِ فَكَذَا هُنَا. فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ عَلَى جَمِيعِ أَقْوَالِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُخْبِرَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَقْبُولٌ، وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَيُمَيَّزُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلتَّمْيِيزِ فِي هَذَا الْبَابِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَتَيْنِ.