ج / 1 ص -39- الشَّافِعِيَّ رحمه الله صَنَّفَ مِائَةً، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ كِتَابًا فِي"التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَالْأَدَبِ"وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا حُسْنُهَا فَأَمْرٌ يُدْرَكُ بِمُطَالَعَتِهَا فَلَا يَتَمَارَى فِي حُسْنِهَا مُوَافِقٌ، وَلَا مُخَالِفٌ.
وَأَمَّا كُتُبُ أَصْحَابِهِ الَّتِي هِيَ شُرُوحٌ لِنُصُوصِهِ، وَمُخَرَّجَةٌ عَلَى أُصُولِهِ، مَفْهُومَةٌ مِنْ قَوَاعِدِهِ فَلَا يُحْصِيهَا مَخْلُوقٌ مَعَ عِظَمِ فَوَائِدِهَا، وَكَثْرَةِ عَوَائِدِهَا، وَكِبَرِ حَجْمِهَا، وَحُسْنِ تَرْتِيبِهَا، وَنَظْمِهَا، كَتَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَصَاحِبِيهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَصَاحِبِ"الْحَاوِي"،"وَنِهَايَةِ الْمَطْلَبِ"لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا مِنْ الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُظْهَرَ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُشْهَرَ، وَكُلُّ هَذَا مُصَرِّحٌ بِغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَجَزَالَةِ كَلَامِهِ، وَصِحَّةِ نِيَّتِهِ فِي عِلْمِهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِنْ صِحَّةِ نِيَّتِهِ فِي عِلْمِهِ نُقُولٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَكَفَى بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا، وَبُرْهَانًا صَادِعًا.
قَالَ السَّاجِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي"الْخِلَافِ": سَمِعْتُ الرَّبِيعَ يَقُولُ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ:"وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ عَلَى أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَيَّ حَرْفٌ مِنْهُ"فَهَذَا إسْنَادٌ لَا يُتَمَارَى فِي صِحَّتِهِ فَكِتَابُ السَّاجِيِّ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ، وَسَمِعَهُ مِنْ إمَامٍ عَنْ إمَامٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله:"مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَوَدِدْتُ إذَا نَاظَرْتُ أَحَدًا أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى يَدَيْهِ"، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مُبَالَغَتُهُ فِي الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَنَصِيحَتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكِتَابِهِ، وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ هُوَ الدِّينُ كَمَا صَحَّ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ مَعْلُومًا مَشْهُورًا فَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا"المجموع"لَيْسَ مَخْصُوصًا بِبَيَانِ الْخَفِيَّاتِ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ.
فصل: فِي نَوَادِرَ مِنْ حِكَمِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْوَالِهِ أَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى رُمُوزًا لِلِاخْتِصَارِ