ج / 1 ص -79- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ رَأَى هِرَّةً أَكَلَتْ نَجَاسَةً ثُمَّ وَرَدَتْ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدها: أَنَّهَا تُنَجِّسُهُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ فَمِهَا والثاني: أَنَّهَا إنْ غَابَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ تُنَجِّسْهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدْ وَرَدَتْ عَلَى مَاءٍ فَطَهُرَ فَمُهَا فَلَا يَنْجُسُ مَا تَيَقَّنَّا طَهَارَتَهُ بِالشَّكِّ وَالثَّالِثُ: لَا يَنْجُسُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهَا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ"."
الشرح: هَذِهِ الْأَوْجُهُ مَشْهُورَةٌ وَدَلَائِلُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُور الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ غَابَتْ وَأَمْكَنَ وُرُودُهَا عَلَى مَاءٍ كَثِيرٍ بِحَيْثُ إذَا وَلَغَتْ فِيهِ طَهُرَ فَمُهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَوَلَغَتْ لَمْ يَنْجُسْ مَا وَلَغَتْ فِيهِ، وَإِنْ وَلَغَتْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ أَوْ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ وَلَمْ يُمْكِنْ وُرُودُهَا عَلَى الْمَاءِ الْمَوْصُوفِ نَجَّسَتْهُ، وَدَلِيلُ هَذَا الصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا غَابَتْ ثُمَّ وَلَغَتْ فَقَدْ تَيَقَّنَّا طَهَارَةَ الْمَاءِ وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةِ فَمِهَا، فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ الْمُتَيَقَّنُ بِالشَّكِّ، وَإِذَا لَمْ تَغِبْ وَوَلَغَتْ فَهِيَ نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْهِرَّةَ كَانَتْ نَجِسَةَ الْفَمِ وَمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا مِنْ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا لَا يَسْلَمُ، فَإِنَّ الْعُسْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاحْتِرَازِ مِنْ مُطْلَقِ الْوُلُوغِ، لَا مِنْ وُلُوغٍ بَعْدَ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ، وَحُكِيَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ صَحَّحَ أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ بِحَالٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ، وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ وَعُمُومُ الْحَاجَةِ وَعُسْرُ الِاحْتِرَازِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] وَفِي تَنْجِيسِ هَذَا حَرَجٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَيْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ كَثِيرٌ يُطَهِّرُ فَمَهَا، وَلَمْ يُعَلِّلْ صلى الله عليه وسلم بِوُرُودِهَا الْمَاءَ بَلْ بِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ.
وَخَالَفَ صَاحِبُ"الحاوي"الْأَصْحَابَ فَقَالَ: إنْ وَلَغَتْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ نَجَّسَتْهُ وَإِنْ غَابَتْ فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ تُنَجِّسُهُ. ذَكَرَهُ فِي مسألة:اشْتِرَاطِ الْمَاءِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالْمَشْهُورُ تَصْحِيحُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ غَيْبَتِهَا وَعَدَمِهَا، وَكَذَا نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ تَصْحِيحَهُ. ثُمَّ صُورَةُ الْمسألة:إذَا تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ فَمِهَا بِأَكْلِ نَجَاسَةٍ أَوْ وُلُوغِهَا فِي مَاءٍ نَجِسٍ أَوْ نَجَاسَةِ فَمِهَا بِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ وُلُوغِهَا فِي مَاءٍ نَاقِصٍ عَنْ قُلَّتَيْنِ أَوْ مَائِعٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عُمْدَةُ مَذْهَبِنَا فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، فَأَنَا أَنْقُلُهُ بِلَفْظِهِ وَاخْتِلَافِ طُرُقِهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى تَحْقِيقِهِ.
فَلَفْظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ قَالَتْ:"دَخَلَ أَبُو قَتَادَةَ فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ قُلْت: نَعَمْ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ"هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُهَا بِحُرُوفِهَا إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ"أَوْ الطَّوَّافَاتِ"بِأَوْ"وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ"إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ"بِالْوَاوِ وَبِحَذْفِ عَلَيْكُمْ.