فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 4102

ج / 1 ص -78- فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ.

وَأَمَّا التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادُ وَالتَّأَخِّي بِمَعْنًى1، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ تَحَرَّيْتُ الشَّيْءَ وَتَأَخَّيْتُهُ إذَا قَصَدْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَيِّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ تَوَضَّأَ بِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ بِطُولِ الْمُكْثِ، وَإِنْ رَأَى حَيَوَانًا يَبُولُ فِي مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ تَغَيُّرُهُ بِالْبَوْلِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَغَيُّرَهُ مِنْ الْبَوْلِ"

الشرح: الْمُكْثُ اللُّبْثُ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الاسراء:106] فَأَمَّا الْمسألة:الْأُولَى وَهِيَ إذَا رَآهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَيِّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْقَاعِدَةِ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَصُورَتُهَا أَنْ يَرَى حَيَوَانًا يَبُولُ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ فَأَكْثَرُ وَلَا تَعْظُمُ كَثْرَتُهُ عِظَمًا لَا يُغَيِّرُهُ ذَلِكَ الْبَوْلُ، وَيَكُونُ الْبَوْلُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمَاءُ التَّغَيُّرَ بِذَلِكَ الْبَوْلِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ:"وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ تَغَيُّرُهُ بِالْبَوْلِ"وَإِنَّمَا حُكِمَ بِالنَّجَاسَةِ هُنَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ لِلطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَشْكُوكِ فِي نَبْشِهَا وَشَبَهِهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا اسْتَنَدَ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْبَوْلُ فَتَرَجَّحَ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ وَعُمِلَ بِالظَّاهِرِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِوُلُوغِ كَلْبٍ فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ الظَّاهِرُ. وَهُوَ قَوْلُ الْعَدْلِ وَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيُتْرَكُ الْأَصْلُ، لِكَوْنِ الظَّاهِرِ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلٍ وَظَاهِرُ مُسْتَنَدِهِ عَامٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، كَغَلَبَةِ الشَّكِّ نَحْوَ الْمَقْبَرَةِ وَنَظَائِرِهَا، وَسَنُوَضِّحُ هَذَا الْأَصْلَ فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَأَى الْمَاءَ قَبْلَ الْبَوْلِ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْمسألة:أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا أَطْلَقَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَاءَ يَنْجُسُ فَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ قَبْلَ الْبَوْلِ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ ثُمَّ رَآهُ عَقِبَهُ مُتَغَيِّرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ رَآهُ وَطَالَ عَهْدُهُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: صُورَةُ الْمسألة:أَنَّهُ رَأَى الْحَيَوَانَ يَبُولُ فِي الْغَدِيرِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى شَطِّ الْغَدِيرِ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَأَمَّا إذَا انْتَهَى إلَيْهِ فَوَجَدَهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَتَغَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ، وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ لَوْ رَأَى نَجَاسَةً حَلَّتْ فِي مَاءٍ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَمَضَى عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا لَمْ يَتَطَهَّرْ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 لعله من التوخي إذا قلنا بالابدال (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت