ج / 6 ص -50- وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحَكَى عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا: وُجُوبُ فِطْرَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى سَيِّدَيْهِ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
فرع: مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ نِصْفُ فِطْرَتِهِ وَعَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ نِصْفُ الْفِطْرَةِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى مَالِكِهِ نِصْفُ صَاعٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَجِبُ جَمِيعُ الصَّاعِ عَلَى سَيِّدِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَى الْعَبْدِ الْفِطْرَةُ عَنْ نَفْسِهِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِطْرَةُ عَبْدِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ كَسْبٌ أَمْ لَا، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْمُسْلِمُونَ كَافَّةً إلَّا دَاوُد الظَّاهِرِيَّ فَقَالَ: لَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ، بَلْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ تَمْكِينُهُ مِنْ الْكَسْبِ لَهَا. وَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى السَّيِّدِ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ عَلَى الْأَبِ وَسَائِرِ الْوَالِدَيْنِ فِطْرَةَ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَعَلَى الْوَلَدِ فِطْرَةُ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، فَإِذَا كَانَ الطِّفْلُ مُوسِرًا كَانَتْ نَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ وَلَا جَدِّهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا عَلَى الْأَبِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ عَصَى وَضَمِنَهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا تَجِبُ حَتَّى تَفْضُلَ الْفِطْرَةُ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ أَهَمُّ فَوَجَبَتْ الْبِدَايَةُ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ"فَإِنْ وُجِدَ مَا يُؤَدَّى عَنْ بَعْضِهِمْ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: يَبْدَأُ بِمَنْ يَبْدَأُ بِنَفَقَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ. فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ أُمِّهِ، فَإِنْ فَضَلَ صَاعٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّا قُلْنَا1: الْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَتَرْتِيبُهُمْ فِي النَّفَقَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرَةِ. والثاني: تُقَدَّمُ فِطْرَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى فِطْرَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ والثالث: يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِمَنْ شَاءَ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَسَاوَوْا".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ:"ابْدَأْ بِمِنْ تَعُولُ"وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ:"ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ:"لأنا بينا أن الفطرة ثابتة ....الخ" (ط) .