ج / 6 ص -51- شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ"وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (الْبِدَايَةُ) لَحْنٌ وَصَوَابُهُ الْبَدَاءَةُ أَوْ الْبَدْأَةُ أَوْ الْبِدْأَةُ. وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ،"
وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْفِطْرَةُ حَتَّى تَفْضُلَ نَفَقَتُهُ، وَنَفَقَةُ مَنْ يَلْزَمُهُ عَنْ نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ، وَتَفْضُلَ عَنْ سَائِرِ الْمُؤَنِ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا، وَفِي الدَّيْنِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَكَذَا فِي الْخَادِمِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُؤَدَّى عَنْ بَعْضِهِمْ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا، أصحها: الْأَوَّلُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا وَلَهُ جَمَاعَةٌ وَأَرَادَ إخْرَاجَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مُوَزَّعًا عَنْهُمْ، فإن قلنا: بِغَيْرِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ لَمْ يَجُزْ، وإن قلنا: بِالرَّابِعِ وَقُلْنَا: وُجِدَ بَعْضُ صَاعٍ - لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ - لَمْ يَجُزْ أَيْضًا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ الأصح: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ فِطْرَةِ وَاحِدٍ وَلَمْ يُخْرِجْهَا والثاني: يَجُوزُ، حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ"البيان"وَآخَرُونَ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: يُخْرِجُ الصَّاعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَخْرَجَ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ، وَتَثْبُتُ فِطْرَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ صَاعَانِ فَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَهُ أَقَارِبُ فِي مَرْتَبَةٍ، كَابْنَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْهُمَا مُوَزَّعًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْإِقْرَاعِ، وَلَهُ مَجَالٌ فِي نَظَائِرِهِ. وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ"البيان"وَجْهًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ فِطْرَةَ الْأُمِّ عَلَى فِطْرَةِ الْأَبِ، وَوَجْهًا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَيُخْرِجُهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَوَجْهًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ فِطْرَةَ الِابْنِ الْكَبِيرِ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِنَفَقَتِهِ، وَالْفِطْرَةُ تَتْبَعُهَا، وَوَجْهًا عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ يُقَدِّمُ فِطْرَةَ الْأَقَارِبِ عَلَى فِطْرَةِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَةِ سَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ بِالطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"المجرد"وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ،
فَإِذَا ضَمَمْنَا هَذِهِ الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ مَعَ وَجْهِ التَّوْزِيعِ إلَى الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، حَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ تِسْعَةُ أَوْجُهٍ مُتَبَايِنَةٍ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا غَرِيبًا: أَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ أَحَدِ الْجَمَاعَةِ لَا بِعَيْنِهِ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرْخَسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ التَّخْيِيرَ، قَالُوا: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي"المختصر"، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ النَّصِّ، فَإِنَّ النَّصَّ أَدَّى عَنْ بَعْضِهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالتَّخْيِيرِ فَالْمَذْهَبُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ هُنَا: أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْأَقَارِبَ يُرَتَّبُونَ فِي الْفِطْرَةِ كَمَا يُرَتَّبُونَ فِي النَّفَقَةِ، وَذَكَرُوا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الِابْنِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ الْأَبِ، ثُمَّ الْأُمِّ، ثُمَّ الِابْنِ الْكَبِيرِ، فَقَدَّمُوا الْأَبَ عَلَى الْأُمِّ، وَقَالُوا فِي النَّفَقَاتِ: الْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ: فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: يُرَتَّبُونَ هُنَا كَالنَّفَقَةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِسَدِّ الْخَلَّةِ وَدَفْعِ الْحَاجَةِ، وَالْأُمُّ أَكْثَرُ حَاجَةً وَأَقَلُّ حِيلَةً وَأَكْثَرُ خِدْمَةً لِلْوَلَدِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا بِالنَّفَقَةِ الَّتِي تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهَا، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَلَا تَجِبُ لِحَاجَةٍ وَلَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ، بَلْ لِتَطْهِيرِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ وَتَشْرِيفِهِ، وَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا، فَإِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ، وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ، وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِمْ: كَالنَّفَقَةِ أَيْ: تَجِبُ مُرَتَّبَةً كَمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مُرَتَّبَةً، وَكَيْفِيَّةُ تَرْتِيبِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي