ج / 6 ص -49- فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْعَبْدُ يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَلَا يُخْرِجُ عَنْهَا الْفِطْرَةَ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَكَذَا نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِفِطْرَةِ نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، بَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِطْرَةُ نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ، وَسَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ مِنْهُ عَنْ زَوْجَتِهِ اسْتِقْلَالًا؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ فَوَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: لَا يُخْرِجُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ والثاني: يُخْرِجُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مَأْذُونٌ لَهُ، فَعَلَى هَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: لَيْسَ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا ثَبَتَ لَا يَنْدَفِعُ.
فرع: إذَا أَوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ وَبِمَنْفَعَتِهِ لِآخَرَ، فَفِي نَفَقَتِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ سَنُوَضِّحُهَا فِي كِتَابِ"الْوَصَايَا"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أصحها: تَجِبُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ والثاني: عَلَى مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ والثالث: فِي كَسْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَفِيهَا طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ"الْوَصَايَا"، أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ هُنَاكَ وَالرَّافِعِيُّ هُنَا: تَجِبُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَأَصَحُّهُمَا:، وَبِهِ قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ وَآخَرُونَ هُنَاكَ: أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وَمُرَادُهُمْ إذَا قُلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِالثَّالِثِ: إنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ عَبِيدَ بَيْتِ الْمَالِ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ، فَهَذَا أَوْلَى، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ فِطْرَتِهِ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَجِبُ الْفِطْرَةُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"الْمُجَرَّدِ"عَنْ نَصِّهِ فِي"الْأُمِّ"وَ"حَرْمَلَةَ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: عَبِيدُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمَوْقُوفُونَ عَلَى مَسْجِدٍ وَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ لَا فِطْرَةَ فِيهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهَا تَجِبُ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي رَقَبَتِهِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ: لَا فِطْرَةَ وَقِيلَ: لَا فِطْرَةَ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَالْحَاصِلُ لِلْفَتْوَى: أَنَّ الْأَصَحَّ لَا فِطْرَةَ.
فرع: عَبِيدُ التِّجَارَةِ تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ عِنْدَنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
فرع: تَجِبُ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الَّذِي فِي مَالِ الْقِرَاضِ عِنْدَنَا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ.
فرع: إذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ فِي أَرْضِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُمْ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْجُمْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ