ج / 6 ص -47- وَالْفِطْرَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ ضَعِيفٌ وَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ: أَنَّ الْفِطْرَةَ عَنْ الْبَدَنِ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالصَّيْدَلَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الْفِطْرَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ، بَلْ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً، وَالرَّاجِحِ عِنْدَ الْآخَرِينَ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ دُخُولُهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُمْ كُلُّهُمْ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى دُخُولِهَا فِي بَابِ اللُّقَطَةِ. وَهُوَ نَصُّهُ فِي"الْمُخْتَصَرِ"، وَفَرَّقَ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ: بِأَنَّ الْفِطْرَةَ لَا تَتَكَرَّرُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْمُؤَنِ وَالْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ، فَإِنَّهَا تَقَعُ فِي النَّوْبَتَيْنِ جَمِيعًا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ جَنَى هَذَا الْمُشْتَرَكُ وَبَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَتْ الْجِنَايَةُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِوُجُوبِ الْأَرْشِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وأما: الْمُكَاتَبُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَجِبُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ فِطْرَةُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ نَاشِزَةً لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْوَجْهُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِوُجُوبِ فِطْرَتِهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا، يُلَاقِيهَا الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهَا بِالنُّشُوزِ خَرَجَتْ عَنْ إمْكَانِ التَّحَمُّلِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مُتَعَيِّنٌ، وَلَوْ لَمْ تَنْشِزْ هِيَ، بَلْ حَالَ أَجْنَبِيٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ فِطْرَتِهَا عَلَى الزَّوْجِ كَالْمَرِيضَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَطَرَدَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهَا الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدَانَ يَتَأَيَّدُ بِأَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاعْتَدَّتْ عَنْهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ"النَّفَقَاتِ"؛ لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمْكِينُ بِسَبَبٍ نَادِرٍ، فَسَقَطَتْ النَّفَقَةُ بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ فَإِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا لَوْ حُبِسَتْ فِي دَيْنٍ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ"النَّفَقَاتِ"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً، وَالزَّوْجُ كَبِيرًا أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَالْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ نَفَقَةِ الْكَبِيرَةِ دُونَ الصَّغِيرَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا وَهِيَ صَغِيرَةً، أَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَفِطْرَتُهَا كَنَفَقَتِهَا، وَفِيهَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ إنْ وَجَبَتْ عَلَى الزَّوْجِ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا، وَإِلَّا فَهُمَا عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ نَفَقَتَهَا فَكَذَا الْفِطْرَةُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ كَنَفَقَتِهَا. وَأَمَّا الْبَائِنُ فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَلَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ عَنْهَا، كَمَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لَهَا وَيَلْزَمُهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أحدهما: الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْفِطْرَةِ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، والثاني: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْفِطْرَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْحَامِلِ أَمْ لِلْحَمْلِ، (إنْ قُلْنَا) بِالْأَوَّلِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ، هَذَا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً، فَإِذَا كَانَتْ أَمَةً فَفِطْرَتُهَا بِاتِّفَاقِهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَلَا فِطْرَةَ كَمَا لَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَرَزَ