ج / 6 ص -45- الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ1 بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا، فَالْحَاصِلُ: أَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ"مِمَّنْ تَمُونُونَ"لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ، وَأَمَّا بَاقِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْفِطْرَةُ قَدْ يَجِبُ أَدَاؤُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَجِبُ عَنْ غَيْرِهِ، وَجِهَاتُ التَّحَمُّلِ عَنْ غَيْرِهِ ثَلَاثٌ: الْمِلْكُ وَالنِّكَاحُ وَالْقَرَابَةُ، وَكُلُّهَا تَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِطْرَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَمَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةٌ بِسَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ فِطْرَةُ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، سَتَظْهَرُ بِالتَّفْرِيعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، بَلْ عَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا وَسَتَأْتِي مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ.
وَمِنْ الْمُسْتَثْنَى أَنَّ الِابْنَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِي وُجُوبِ الْإِعْفَافِ، وَهَلْ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ"الْبَيَانِ"وَطَائِفَةٍ: وُجُوبُهَا، وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ وَآخَرِينَ وَالرَّافِعِيِّ فِي"الْمُحَرَّرِ": لَا تَجِبُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. قَالُوا: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي فِطْرَةِ مُسْتَوْلَدَةِ الْأَبِ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الِابْنِ الْمُعْسِرِ فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَلَا فِطْرَتُهَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إعْفَافُهُ، وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ، وَأَمَّا الْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ وَالْأَعْمَامُ وَبَنُوهُمْ وَسَائِرُ الْأَقَارِبِ غَيْرُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَلَا تَجِبُ نَفَقَتِهِمْ وَلَا فِطْرَتُهُمْ،
وأما: الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ فَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ وَمَنْ لَا فَلَا، فَلَوْ كَانَ الِابْنُ الْكَبِيرُ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ فَوَجَدَ قُوتَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ فَقَطْ، لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ عَلَى الْأَبِ؛ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى الِابْنِ لِإِعْسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَفِي سُقُوطِ الْفِطْرَةِ عَلَى الْأَبِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ أصحهما: عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: لَا تَجِبُ كَالِابْنِ الْكَبِيرِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ والثاني: تَجِبُ لِتَأَكُّدِهَا بِخِلَافِ الْكَبِيرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَإِنْ كَانَ لِلْقَرِيبِ الَّذِي تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَبْدٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لَزِمَ الْمُنْفِقُ فِطْرَتُهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ الْقَرِيبِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَالْمُسْتَوْلَدَة، فَتَجِبُ فِطْرَتُهُمْ عَلَى السَّيِّدِ بِلَا خِلَافٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:"حُرٍّ وَعَبْدٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتَجِبُ فِطْرَةُ الْمَرْهُونِ وَالْجَانِي وَالْمُسْتَأْجَرِ عَلَى سَيِّدِهِمْ كَالنَّفَقَةِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْمَرْهُونِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمَالِ الْمَرْهُونِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَا نَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِمَا، بَلْ قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِالْوُجُوبِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَنَقَلَ السَّرَخْسِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ إخْرَاجُهَا مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يزعم ابن حزم أن الشافعي احتج بحديث جعفر عن أبيه وفي أسلوب متهكم ساخر يقول: وفي هذا المكان عجب عجيب وهو أن الشافعي لا يقول بالمرسل ثم أخذ هنا بأنتن مرسل في العالم من رواية ابن أبي يحيى وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم يحمل على الحنفيين فيقول أكثر وأشد.