ج / 6 ص -33- فَإِنْ وَجَدَهُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْمُرْهُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فَهُوَ رِكَازٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوَاتًا أَوْ مِنْ الْقِلَاعِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي عَمَرَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَفَّالُ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ، وَقِيلَ: رِكَازٌ، وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: لُقَطَةٌ والثاني: رِكَازٌ. وَلَوْ وَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلُقَطَةٌ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَالْجُمْهُورُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ رِكَازٌ، وَمَا عَدَا هَذَا الْمَوْضِعَ (قِسْمَانِ) مَمْلُوكٌ وَمَوْقُوفٌ وَالْمَمْلُوكُ نَوْعَانِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَاَلَّذِي لِغَيْرِهِ إذَا وَجَدَ فِيهِ كَنْزًا لَمْ يَمْلِكْهُ الْوَاجِدُ، بَلْ إنْ ادَّعَاهُ مَالِكُ الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ بِلَا يَمِينٍ، كَالْأَمْتِعَةِ الَّتِي فِي دَارِهِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ بِلَا يَمِينٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي"الأم"، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَهُوَ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ مِلْكُ الْأَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَلِمَنْ قَبْلَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الَّذِي أَحْيَا الْأَرْضَ فَيَكُونَ لَهُ، سَوَاءٌ ادَّعَاهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ بِالْإِحْيَاءِ مَلَكَ مَا فِي الْأَرْضِ، وَبِالْبَيْعِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَدْفُونٌ مَنْقُولٌ لَا يُعَدُّ جُزْءًا مِنْ الْأَرْضِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْهُ الْمِلْكُ مَيِّتًا فَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَهُ. فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لِمُوَرِّثِنَا وَأَبَاهُ بَعْضُهُمْ، سُلِّمَ إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ وَسُلِكَ بِالْبَاقِي مَا ذَكَرْنَاهُ. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْكَلَامَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا وَإِشَارَةً، قَالَ: وَمِنْ الْمُصَرِّحِينَ بِأَنَّ الرِّكَازَ يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْقَفَّالُ، وَرَأَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخْرِيجَ مِلْكِ الرِّكَازِ بِالْإِحْيَاءِ عَلَى مَا لَوْ دَخَلَتْ ظَبْيَةٌ دَارًا فَأَغْلَقَ صَاحِبُهَا الْبَابَ لَا عَلَى قَصْدِ ضَبْطِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: لَا يَمْلِكُهَا لَكِنْ يَصِيرُ أَوْلَى بِهَا، كَذَلِكَ الْمُحْيِي لَا يَمْلِكُ الْكَنْزَ لَكِنْ يَصِيرُ أَوْلَى بِهِ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ. فَعَلَى هَذَا إذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَجَبَ طَلَبُهُ وَرَدُّ الْكَنْزِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ عَنْ رَقَبَةِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ وَيَصِيرُ أَوْلَى بِهِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ رَقَبَةِ الْأَرْضِ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كَمَا أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الظَّبْيَةِ إذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا، فَفَتَحَ الْبَابَ وَأَفْلَتَتْ مَلَكَهَا مَنْ اصْطَادَهَا. قلت: وَهَذَا احْتِمَالٌ أَبْدَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْكَنْزَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ كَالْبَيْعِ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَإِنْ قُلْنَا: الْمُحْيِي لَا يَمْلِكُ الْكَنْزَ بِالْإِحْيَاءِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَخْرَجَ الْخُمُسَ، وإن قلنا: يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ، فَإِذَا احْتَوَتْ يَدُهُ عَلَى الْكَنْزِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِلْأَرْضِ وَقَدْ مَضَتْ سُنُونَ وَجَبَ إخْرَاجُ خُمُسِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ مَلَكَهُ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ السِّنِينَ، إلَى أَنْ صَارَ فِي يَدِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ زَكَاةُ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ، وَفِي الْخُمُسِ كَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ عَلَّقْنَاهَا بِهَا فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ زَكَاةِ الْمَوَاشِي فِيمَا إذَا مَلَكَ نِصَابًا وَتَكَرَّرَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ. النَّوْعُ الثَّانِي1: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ، فَإِنْ كَانَ أَحْيَاهَا فَمَا وَجَدَهُ رِكَازٌ وَعَلَيْهِ خُمُسُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 والنوع الأول هو في قوله: والمملوك نوعان له ولغيره وهو أحد فرعي القسم الثاني سيأتي بعد قليل وفي البحث تشابك وتداخل فانتبه (ط) .