ج / 6 ص -22- مِثَالُهُ: رَأْسُ الْمَالِ مِائَتَانِ وَالرِّبْحُ مِائَةٌ فَثُلُثَا الْمُخْرَجِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَثُلُثُهُ مِنْ الرِّبْحِ. قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ أَمْ بِالذِّمَّةِ؟ إنْ قُلْنَا بِالْعَيْنِ فَكَالْمُؤَنِ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِرْدَادٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا بِالْعَيْنِ فَكَالْمُؤْنَةِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْبِنَاءَ وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِمَرْضِيٍّ. قَالَ: وَلَا يَمْتَنِعُ إثْبَاتُ الْخِلَافِ عَلَى قَوْلِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ شُيُوعِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ فِي الْجَمِيعِ. أَمَّا إذَا قُلْنَا: الْعَامِلُ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ حِصَّةِ الْعَامِلِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَحُكْمُ الْإِخْرَاجِ وَالْحَوْلِ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ بَقِيَتْ السِّلْعَةُ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ زَكَّى الرِّبْحَ بِحَوْلِ الْأَصْلِ، وَإِنْ نَضَّ الرِّبْحُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَهَلْ يُضَمُّ إلَى حَوْلِ الْأَصْلِ؟ أَمْ يُفْرَدُ بِحَوْلٍ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ أَيْنَ يُحْسَبُ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ. هَذَا حُكْمُ الْمَالِكِ. أَمَّا الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ زَكَاةُ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ؟ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ حَكَاهَا الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ وَأَصَحُّهَا: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"وَالصَّيْدَلَانِيّ وَغَيْرُهُمْ: الْقَطْعُ بِوُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ قَادِرٌ عَلَى الْفَسْخِ وَالْمُقَاسَمَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي نَصِيبِهِ، فَلَزِمَهُ الزَّكَاةُ. والثاني: أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَجْحُودِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ فِي الْحَالِ مِنْ كَمَالِ التَّصَرُّفِ. والثالث: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ لِاحْتِمَالِ الْخُسْرَانِ فَأَشْبَهَ الْمُكَاتَبَ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَضَعَّفَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِيجَابُ عَلَى الْعَامِلِ، وَفِي ابْتِدَاءِ حَوْلِهِ فِي نَصِيبِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أصحها: الْمَنْصُوصُ مِنْ حِينِ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ حِينَئِذٍ.
والثاني: مِنْ حِينِ يُقَوَّمُ الْمَالُ عَلَى الْمَالِكِ لِأَجْلِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الرِّبْحُ إلَّا بِذَلِكَ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ.
وَالثَّالِثُ: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا وَالْأَصْحَابُ مِنْ حِينِ الْمُقَاسَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ إلَّا مِنْ حِينَئِذٍ، وَهَذَا غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْعَامِلَ لَا زَكَاةَ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ لَيْسَ بِعَامِلٍ، بَلْ مَالِكٍ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا كَامِلِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَوْلُهُ إلَّا مِنْ الْمُقَاسَمَةِ رُجُوعٌ إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: حَوْلُهُ حَوْلُ رَأْسِ الْمَالِ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَهَذَا أَيْضًا غَلَطٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَكَيْفَ يُبْنَى مِلْكُهُ وَحَوْلُهُ عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ؟ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ حَوْلَ الْإِنْسَانِ لَا يُبْنَى عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ إلَّا الْوَارِثُ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ؛ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْمُوَرِّثِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ مِنْ حِينِ اشْتَرَى الْعَامِلُ السِّلْعَةَ. حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالُوا: وَهُوَ غَلَطٌ. قَالَ أَصْحَابُنَا: ثُمَّ إذَا تَمَّ حَوْلُ الْعَامِلِ وَنَصِيبُهُ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا، لَكِنَّهُ مَعَ جُمْلَةِ الْمَالِ يَبْلُغُ نِصَابًا - فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْخُلْطَةَ فِي النَّقْدَيْنِ - فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، وَهَذَا إذَا لَمْ نَقُلْ: ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْهَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْخُلْطَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا أَوْجَبْنَا