ج / 6 ص -23- الزَّكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْجُمْهُورُ. فَإِذَا اقْتَسَمَا زَكَّى مَا مَضَى، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ فِي الْحَالِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِسْمَةِ وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ"التَّقْرِيبِ"حَكَاهُ صَاحِبُ"الْإِبَانَةِ"وَ"البيان"وَآخَرُونَ عَنْهُ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ فِي يَدِهِ وَلَا تَصَرُّفِهِ، فَلَا يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ الْمَالِ الْغَائِبِ الَّذِي تُرْجَى سَلَامَتُهُ وَيُخَافُ تَلَفُهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَهَلْ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِهِ أَمْ لِلْمَالِكِ مَنْعُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: أصحهما: عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَسْتَقِلُّ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْقِرَاضِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. والثاني: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَلَعَلَّهُ يَخْسَرُ. قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ هَلْ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَمْ بِالذِّمَّةِ؟ إنْ قُلْنَا: بِالْعَيْنِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ جَمِيعًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مِنْ أَهْلِهَا دُونَ الْعَامِلِ وَقُلْنَا: الْجَمِيعُ لِلْمَالِكِ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَالِ وَنَصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا يَكْمُلُ نَصِيبُهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا بِنَصِيبِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَلَا تَصِحُّ خُلْطَتُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَامِلُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ دُونَ الْمَالِكِ - فَإِنْ قُلْنَا: كُلُّهُ لِلْمَالِكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ - فَلَا زَكَاةَ - وَإِنْ قُلْنَا: لِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا فَذَلِكَ إذَا بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا أَوْ كَانَ لَهُ مَا يَتِمُّ بِهِ نِصَابٌ، وَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ وَلَا يَجِيءُ فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ هُنَا إلَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ، وَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ عَلَى إخْرَاجِ زَكَاةٍ مِنْ الْمَالِ. هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمَانِعُ مَنْعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَامَلَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل فحرر.
فَرْعٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالتِّجَارَةِ
إحداها: إذَا بَاعَ عَرْضَ التِّجَارَةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ. أصحها وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ: صِحَّةُ بَيْعِهِ قَوْلًا وَاحِدًا. والطريق الثاني: فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا، كَبَيْعِ السَّائِمَةِ وَالثَّمَرَةِ وَالْحَبِّ وَالنَّقْدِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا. حَكَاهُ صَاحِبُ"البيان"وَآخَرُونَ والثالث: إنْ قُلْنَا: يُخْرِجُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ مِنْ نَفْسِ الْعَرْضِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُخْرِجُ مِنْ الْقِيمَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَبَتْ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَبَاعَهَا قَبْلَ إخْرَاجِ الشَّاةِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ سَبَقَا فِي مَوْضِعِهِمَا. وَهَذَا الطَّرِيقُ قَالَهُ1 وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَانِ الطَّرِيقَانِ شَاذَّانِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، كَمَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَسَوَاءٌ بَاعَ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ، أَمْ بِقَصْدِ اقْتِنَاءِ الْمَالِ، أَمْ بِلَا قَصْدٍ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِهِ لَا يَبْطُلُ، , وَإِنْ صَارَ مَالَ قُنْيَةٍ، كَمَا لَوْ نَوَى