ج / 6 ص -18- بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ لَا بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ. وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْعَرْضَ فَرْعٌ لِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِذَا أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ بِأَصْلِهِ كَانَ أَوْلَى بِخِلَافِ الْمُتْلَفِ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَوَجَبَ تَقْوِيمُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَقْدًا دُونَ نِصَابٍ فَوَجْهَانِ: أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ: يُقَوَّمُ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ. والثاني: يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْنَى حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ. قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ: وَمَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا مَلَكَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، فَإِنْ مَلَكَ بِأَنْ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَرْضًا وَهُوَ حِينَئِذٍ يَمْلِكُ مِائَةً أُخْرَى، فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّقْدِيمَ يَكُونُ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ، قلت: وَيَجِيءُ فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ".
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَيُقَوَّمُ بِهِمَا جَمِيعًا عَلَى نِسْبَةِ التَّقْسِيطِ يَوْمَ الْمِلْكِ، وَطَرِيقَةُ تَقْوِيمِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مِثْلَ مَا لَوْ اشْتَرَى الْعَرْضَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَنِصْفُ الْعَرْضِ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ وَنِصْفُهُ بِدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَثُلُثَاهُ مُشْتَرًى بِدَرَاهِمَ، وَثُلُثُهُ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ، وَهَكَذَا يُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخِرِ، فَإِنْ نَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ بِأَحَدِهِمَا لَبَلَغَ نِصَابًا؛ لِمَا سَبَقَ فِي بَابِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ حَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حِينِ مِلْكِ ذَلِكَ النَّقْدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ النِّصَابِ، فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ: إنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعَرْضِ يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إنَّهُ كَالنِّصَابِ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ. أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يُقَوَّمُ مَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، وَمَا قَابَلَ الدَّنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ. والثاني: يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَنُصُوصُ زَكَاتِهَا صَرِيحَةٌ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ، فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ نِصَابٌ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَمَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أصحها: بِرَأْسِ مَالِهِ. والثاني: بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ. والثالث: أَنَّهُ إنْ كَانَ فِضَّةً قُوِّمَ بِهَا وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا قُوِّمَ بِالْفِضَّةِ أَيْضًا، وَهُوَ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ قَرِيبًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ حَوْلِهِ، وَيَكُونُ حَوْلُ الَّذِي مَلَكَهُ بِنِصَابٍ مِنْ حِينِ مَلَكَ ذَلِكَ النِّصَابَ، وَحَوْلُ الْمَمْلُوكِ بِمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْعَرَضَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمُقَوَّمِ بِهِ فَلَا ضَمَّ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ، بِأَنْ مَلَكَ الْعَرْضَ بِغَرَضِ قُنْيَةٍ أَوْ مَلَكَهُ بِخُلْعٍ أَوْ نِكَاحٍ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ، وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إنَّهُ يَصِيرُ مَالَ تِجَارَةٍ فَيُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ قُوِّمَ بِالْأَغْلَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ