فهرس الكتاب

الصفحة 2026 من 4102

ج / 6 ص -11- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ فُطْرَتُهُ لِوَقْتِهَا وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ لِحَوْلِهَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ وَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ".

الشرح: هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ فِي زَكَاةِ فِطْرِ الْعَبِيدِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْقِيمَةِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ وَالْجَزَاءُ لِلْمَسَاكِينِ؛ وَلِأَنَّهُ يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ عَرْضًا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَرْضٍ أَوْ نَقْدٍ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا جَعَلَ ابْتِدَاءَ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ مَلَكَ النِّصَابَ مِنْ النَّقْدِ، وَيَبْنِي حَوْلَ الْعَرْضِ الَّذِي اشْتَرَاهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ هُوَ الثَّمَنُ، وَكَانَ ظَاهِرًا فَصَارَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ كَامِنًا، فَبَنَى حَوْلَهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَيْنًا فَأَقْرَضَهُ فَصَارَ دَيْنًا، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِدُونِ النِّصَابِ انْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهُ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ نِصَابًا كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ: هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ نِصَابَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ، وَتَقْوِيمُ الْعَرْضِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يَشُقُّ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا فِي حَالِ الْوُجُوبِ، وَيُخَالِفُ سَائِرَ الزَّكَوَاتِ، فَإِنَّ نِصَابَهَا فِي عَيْنِهَا فَلَمْ يَشُقَّ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ انْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُبْنَى حَوْلُ التِّجَارَةِ عَلَى حَوْلِ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ بِشَيْءٍ تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ ثَمَنَ الْعَرْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِمَا يُجْزِي فِي الْحَوْلِ، فَبُنِيَ حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَا يُبْنَى عَلَى حَوْلُ السَّائِمَةِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فِي"المختصر"، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِقِيمَةِ الْعَرْضِ، وَالْمَاشِيَةُ لَيْسَتْ بِقِيمَةٍ فَلَمْ يُبْنَ حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهَا، وَيُخَالِفُ الْأَثْمَانَ؛ لِأَنَّهَا قِيمَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عَيْنًا ظَاهِرَةً فَخَفِيَتْ كَالْعَيْنِ إذَا صَارَتْ دَيْنًا".

الشرح: النِّصَابُ وَالْحَوْلُ مُعْتَبَرَانِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنَّ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِهِ النِّصَابَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، وَسَمَّاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: أَقْوَالًا، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ أَوْجَهُ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْهَا مَنْصُوصٌ، وَالْآخَرَانِ مُخْرَجَانِ أحدهما: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي"الأم": أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ، وَتَقْوِيمُ الْعَرْضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَشُقُّ، فَاعْتُبِرَ حَالُ الْوُجُوبِ وَهُوَ آخِرُ الْحَوْلِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ؛ لِأَنَّ نِصَابَهَا مِنْ عَيْنِهَا فَلَا يَشُقُّ اعْتِبَارُهُ. والثاني: وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي لَحْظَةٍ مِنْهُ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ. والثالث: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ نِصَابًا فِي الطَّرَفَيْنِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْوَجْهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت