ج / 5 ص -371- وَكَذَا ظَرْفُ الغَاليَةِ1 اللطِيفِ حَرَامٌ أَيْضًا. هَكَذَا قَطَعَ بِهِ المَاوَرْدِيُّ وَالجُمْهُورُ هُنَا، وَسَبَقَ فِي بَابِ الآنِيَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الصَّغِيرِ مِنْ الفِضَّةِ كَمُكْحُلةٍ وَظَرْفِ غَاليَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلا خِلافَ فِي تَحْرِيمِهِ مِنْ الذَّهَبِ، وَلا خِلافَ فِي اسْتِوَاءِ المَرْأَةِ وَالرَّجُل فِي هَذَا. قَال صَاحِبُ البَيَانِ وَغَيْرُهُ: وَلا يَجُوزُ لهَا تَحْليَةُ رُبْعِهَا2 بِذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ قَطْعًا.
فرع: قَال صَاحِبُ الحَاوِي: لوْ اتَّخَذَ الرَّجُل أَوْ المَرْأَةُ مِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَتَجِبُ زَكَاتُهُ إلا أَنْ يُسْتَعْمَل عَلى وَجْهِ التَّدَاوِي لجَلاءِ عَيْنِهِ فَيَكُونُ مُبَاحًا كَاسْتِعْمَال الذَّهَبِ فِي رَبْطِ سِنِّهِ، وَيَكُونُ فِي زَكَاتِهِ القَوْلانِ فِي الحُليِّ المُبَاحِ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِتَحْرِيمِ المِيل البَنْدَنِيجِيُّ.
فرع: فِي تَحْليَةِ المُصْحَفِ بِالفِضَّةِ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهُرُهُمَا الجَوَازُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالمَاوَرْدِيُّ وَجَمَاهِيرُ العِرَاقِيِّينَ. وَهُوَ نَصُّهُ فِي القَدِيمِ وَالأُمِّ وَحَرْمَلةَ. وَنُصَّ فِي سِيَرِ3 الوَاقِدِيِّ وَهُوَ أَحَدُ كُتُبِ الأُمِّ عَلى التَّحْرِيمِ وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الكِتَابِ إلى القَطْعِ بِهَذَا، فَإِنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ. وَهَذَا شُذُوذٌ مِنْهُ فَليُعْرَفْ. وَأَمَّا تَحْليَتُهُ بِالذَّهَبِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، قَال الرَّافِعِيُّ أصحها: عِنْدَ الأَكْثَرِينَ إنْ كَانَ لامْرَأَةٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لرَجُلٍ فَحَرَامٌ، والثاني: يَحِل مُطْلقًا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الحَاوِي تَعْظِيمًا للقُرْآنِ، والثالث: يَحْرُمُ مُطْلقًا، وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ تَحْليَةُ نَفْسِ المُصْحَفِ دُونَ غِلافِهِ المُنْفَصِل عَنْهُ. قَال الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا تَحْليَةُ غِلافِهِ بِالذَّهَبِ فَحَرَامٌ بِلا خِلافٍ وَنَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَليٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الإِفْصَاحِ وَالقَاضِي أَبُو الطِّيبِ فِي المُجَرَّدِ وَالمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ؛ لأَنَّهُ ليْسَ حِليَةً للمُصْحَفِ، وَأَمَّا تَحْليَةُ بَاقِي الكُتُبِ غَيْرِ القُرْآنِ فَحَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ، وَمِمَّنْ نَقَل الاتِّفَاقَ عَليْهِ الرَّافِعِيُّ قَال: وَأَشَارَ الغَزَاليُّ إلى طَرْدِ الوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الدَّوَاةِ وَالمِقْلمَةِ هُنَا، وَالمَعْرُوفُ فِي المَذْهَبِ مَا سَبَقَ.
وَأَمَّا تَحْليَةُ الكَعْبَةِ وَسَائِرِ المَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَتَمْوِيهُ سَقْفِهِ وَتَعْليقُ قَنَادِيلهَا فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ: أصحهما: التَّحْرِيمُ. وَبِهِ قَال أَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ المُتَقَدِّمِينَ. وَنَقَلهُ المَاوَرْدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا المُتَقَدِّمِينَ، وَقَطَعَ بِهِ القَاضِي أَبُو الطِّيبِ وَالبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ. وَاسْتَدَلوا لهُ بِأَنَّهُ لمْ يَرِدْ فِيهِ سُنَّةٌ وَلا عَمِلهُ أَحَدٌ مِنْ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَهُوَ بِدْعَةٌ وَكُل بِدْعَةٍ ضَلالةٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا ليْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ"وَفِي رِوَايَةٍ لهُمَا"مَنْ عَمِل عَمَلًا ليْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَد".
والوجه الثاني: الجَوَازُ تَعْظِيمًا للكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ. وَإِعْظَامًا للدِّينِ كَمَا أَجْمَعُوا عَلى سَتْرِ الكَعْبَةِ بِالحَرِيرِ. قَال أَصْحَابُنَا فَإِنْ قُلنَا حَرَامٌ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ بِلا خِلافٍ وَإِلا فَعَلى القَوْليْنِ الحُليُّ المُبَاحُ. هَذَا إذَا كَانَ التَّمْوِيهُ وَالقَنَادِيل وَنَحْوُهَا بَاقِيَةً عَلى مِلكِ فَاعِلهَا، فَإِنْ كَانَتْ وَقْفًا عَليْهِ إمَّا مِنْ غَلبَةٍ وَإِمَّا بِأَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الغالية أخلاط من الطيب يقال: تغليت بالغالية إذا تطيبت (ط) .
2 الربع صندوق أجزاء المصحف هكذا أفاده في القاموس (ط) .
3 في ش و ق سنن وهو خطأ (ط) .