ج / 5 ص -369- المَوْضِعُ الثَّانِي: تَمْوِيهُ الخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَغَيْرِهِمَا للرَّجُل، إنْ كَانَ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ بِالعَرْضِ عَلى النَّارِ فَهُوَ حَرَامٌ بِلا خِلافٍ، وَإِلا فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ العِرَاقِيُّونَ التَّحْرِيمُ، والثاني: حَكَاهُ الخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: التَّحْرِيمُ لعُمُومِ قَوْلهِ صلى الله عليه وسلم فِي الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ:"هَذَانِ حَرَامٌ عَلى ذُكُورِ أُمَّتِي"وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لبْسُهُ. والثاني: الإِبَاحَةُ لأَنَّهُ مُسْتَهْلكٌ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ للخَاتَمِ فَقَطَعَ الأَصْحَابُ بِتَحْرِيمِهِ، وَنَقَلهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الأَصْحَابِ كُلهِمْ. وَقَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: لا يَبْعُدُ تَشْبِيهُهُ بِالضَّبَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي الإِنَاءِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ بَل بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
وَأَمَّا الفِضَّةُ فَيَجُوزُ للرَّجُل التَّخَتُّمُ بِهَا. وَهَل لهُ مَا سِوَى الخَاتَمِ مِنْ حُليِّ الفِضَّةِ؟ كَالدُّمْلجِ وَالسِّوَارِ وَالطَّوْقِ وَالتَّاجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَطَعَ الجُمْهُورُ بِالتَّحْرِيمِ وَقَال المُتَوَلي وَالغَزَاليُّ فِي فَتَاوِيه: يَجُوزُ لأَنَّهُ لمْ يَثْبُتْ فِي الفِضَّةِ إلا تَحْرِيمُ الأَوَانِي وَتَحْرِيمُ الحُليِّ عَلى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ. وَيَجُوزُ للرَّجُل تَحْليَةُ آلاتِ الحَرْبِ بِالفِضَّةِ بِلا خِلافٍ لمَا فِيهِ مِنْ إرْعَابِ العَدُوِّ وَإِظْهَارِ القُوَّةِ، وَذَلكَ كَتَحْليَةِ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَأَطْرَافِ السِّهَامِ وَالدِّرْعِ وَالمِنْطَقَةِ وَالجَوْشَنِ وَالخُفِّ وَالرَّانِينَ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا. وَفِي تَحْليَةِ السَّرْجِ وَاللجَامِ وَالثُّفْرِ للدَّابَّةِ بِالفِضَّةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ وَالأَصْحَابُ: أحدهما: وَبِهِ قَال أَبُو الطِّيبِ بْنُ سَلمَةَ: مُبَاحٌ كَحِليَةِ السَّيْفِ وَالمِنْطَقَةِ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَال ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ، وَنَقَلهُ المُصَنِّفُ وَالأَصْحَابُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَقَدْ نُصَّ عَليْهِ فِي ثَلاثَةِ كُتُبٍ فِي رِوَايَةِ البُوَيْطِيِّ وَالرَّبِيعِ وَمُوسَى بْنِ أَبِي الجَارُودِ، لأَنَّ هَذَا حِليَةٌ للدَّابَّةِ لا للرَّجُل بِخِلافِ المِنْطَقَةِ.
قَال أَصْحَابُنَا: وَيَجْرِي الوَجْهَانِ فِي الرِّكَابِ وَبَرَّةِ النَّاقَةِ مِنْ الفِضَّةِ، وَالأَصَحُّ التَّحْرِيمُ ثُمَّ قَال القَاضِي أَبُو الطِّيبِ: وَيَجْرِيَانِ فِي تَحْليَةِ أَطْرَافِ السُّيُورِ، وَالمَذْهَبُ تَحْرِيمُ القِلادَةِ للدَّابَّةِ مِنْ الفِضَّةِ، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ، وَلا يَجُوزُ للنِّسَاءِ تَحْليَةُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المَذْكُورَاتِ بِالذَّهَبِ، وَكَذَا بِالفِضَّةِ بِلا خِلافٍ، لأَنَّ فِي اسْتِعْمَالهِنَّ ذَلكَ تَشَبُّهًا بِالرِّجَال وَالتَّشَبُّهُ حَرَامٌ عَليْهِنَّ، هَكَذَا قَالهُ الأَصْحَابُ، وَاعْتَرَضَ عَليْهِمْ الشَّاشِيُّ فِي المُعْتَمَدِ، وَقَال: آلاتُ الحَرْبِ إمَّا أَنْ يُقَال: يَجُوزُ للنِّسَاءِ لبْسُهَا وَاسْتِعْمَالهَا فِي غَيْرِ الحَرْبِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَال: لا يَجُوزُ، وَالقَوْل بِالتَّحْرِيمِ بَاطِلٌ، لأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَلابِسِ الرَّجُل إنَّمَا يَقْتَضِي الكَرَاهَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ، أَلا يُرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه قَال فِي الأُمِّ: وَلا أَكْرَهُ للرَّجُل لبْسَ اللؤْلؤِ إلا للأَدَبِ وَأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لا للتَّحْرِيمِ؟ فَلمْ يُحَرِّمْ زِيَّ النِّسَاءِ عَلى الرَّجُل، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ وَكَذَا عَكْسُهُ.
قَال الشَّاشِيُّ: وَلأَنَّ المُحَارَبَةَ جَائِزَةٌ للنِّسَاءِ فِي الجُمْلةِ، وَفِي جَوَازِهَا جَوَازُ لبْسِ آلاتِهَا، وَإِذَا جَازَ اسْتِعْمَالهَا غَيْرَ مُحَلاةٍ جَازَ مَعَ الحِليَةِ، لأَنَّ التَّحَليَ للنِّسَاءِ أَوْلى بِالجَوَازِ مِنْ الرِّجَال. قَال الرَّافِعِيُّ: هَذَا الذِي قَالهُ الشَّاشِيُّ هُوَ الحَقُّ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى، قُلت: وَليْسَ الحُكْمُ كَمَا قَالهُ الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، بَل الصَّوَابُ مَا قَالهُ الأَصْحَابُ أَنَّ تَشَبُّهَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ حَرَامٌ وَعَكْسُهُ كَذَلكَ، للحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"لعَنَ اللهُ المُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَال وَالمُتَشَبِّهَات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَال"وَاللعْنُ لا