ج / 5 ص -367- عَلمَتْهُ مَنْسُوخًا. قَال البَيْهَقِيُّ: وَمِنْ العُلمَاءِ مَنْ قَال: زَكَاةُ الحُليِّ عَارِيَّتُهُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
قَال البَيْهَقِيُّ: وَاَلذِي يَرْوِيه فُقَهَاؤُنَا عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"ليْسَ فِي الحُليِّ زَكَاةٌ"لا أَصْل لهُ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلهِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ؛ وَاَلذِي يُرْوَى عَنْ عَافِيَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الليْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا لا أَصْل لهُ وَعَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ مَجْهُولٌ، فَمَنْ احْتَجَّ بِهِ مَرْفُوعًا كَانَ مُغَرَّرًا بِدِينِهِ دَاخِلًا فِيمَا نَعِيبُ بِهِ المُخَالفِينَ مِنْ الاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ الكَذَّابِينَ وَاَللهُ يَعْصِمُنَا مِنْ أَمْثَالهِ. هَذَا آخِرُ كَلامِ البَيْهَقِيّ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلقُ بِأَحَادِيثِ البَابِ، وَحَصَل فِي ضِمْنِهِ بَيَانُ الحَدِيثَيْنِ اللذَيْنِ ذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ، وَهُمَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
أَمَّا أَحْكَامُ الفَصْل: فَمَقْصُودُهُ بَيَانُ مَا يَجُوزُ لبْسُهُ مِنْ الحُليِّ للرِّجَال وَالنِّسَاءِ، وَمَا يَجُوزُ للرِّجَال خَاصَّةً أَوْ للنِّسَاءِ خَاصَّةً. وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهُ قَدْ سَبَقَ بَيَانُ جُمَلٍ مِنْهُ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لبْسُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رَحِمهمْ اللهُ تَعَالى مَا يَحِل مِنْ الحُليِّ وَيَحْرُمُ فِي هَذَا البَابِ ليُعْلمَ حُكْمُ الزَّكَاةِ فِيهِ. قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: فَكُل مُتَّخِذٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ مِنْ حُليٍّ وَغَيْرِهِ إذَا حَكَمَ بِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ بِلا خِلافٍ، وَنَقَلوا فِيهِ إجْمَاعَ المُسْلمِينَ.
وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالهُ مُبَاحًا كَحُليِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الفِضَّةِ للرَّجُل وَالمِنْطَقَةِ وَغَيْرِ ذَلكَ مِمَّا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ قَوْلانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: عِنْدَ الأَصْحَابِ: لا، كَمَا لا تَجِبُ فِي ثِيَابِ البَدَنِ وَالأَثَاثِ وَعَوَامِل الإِبِل وَالبَقَرِ، وَهَذَا مَعَ الآثَارِ السَّابِقَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَهَذَا نَصُّهُ فِي البُوَيْطِيِّ وَالقَدِيمِ؛ وَقَال السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ: وَبِهِ قَال أَكْثَرُ أَهْل العِلمِ؛ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا المُزَنِيّ وَابْنُ القَاصِّ فِي المِفْتَاحِ وَالبَنْدَنِيجِيّ وَالمَاوَرْدِيُّ وَالمَحَامِليُّ وَالقَاضِي أَبُو الطِّيبِ فِي المُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ فِي الاسْتِذْكَارِ، وَالغَزَاليُّ فِي الخُلاصَةِ؛ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَآخَرُونَ لا يُحْصَوْنَ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ المَحَامِليُّ فِي المُقْنِعِ وَسُليْمٌ الرَّازِيّ فِي الكِفَايَةِ، وَالمُصَنِّفُ فِي عُيُونِ المَسَائِل وَالجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالبُلغَةِ، وَالشَّيْخُ نَصْرُ المَقْدِسِيُّ فِي الكَافِي وَآخَرُونَ.
وَأَمَّا قَوْل الفُورَانِيِّ: إنَّ القَدِيمَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالجَدِيدَ لا تَجِبُ، فَغَلطٌ صَرِيحٌ مُخَالفٌ لمَا قَالهُ الأَصْحَابُ، بَل الصَّوَابُ المَشْهُورُ نَصُّهُ فِي القَدِيمِ: لا تَجِبُ وَفِي الجَدِيدِ قَوْلانِ نُصَّ عَليْهِمَا فِي الأُمِّ، وَنُصَّ فِي البُوَيْطِيِّ أَنَّهُ لا تَجِبُ كَمَا نُصَّ فِي القَدِيمِ، وَالمَذْهَبُ لا تَجِبُ كَمَا ذَكَرْنَا، هَذَا إذَا كَانَ مُعَدًّا لاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ كَمَا سَبَقَ. قَال أَصْحَابُنَا: وَلوْ اتَّخَذَ حُليًّا وَلمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا وَلا مَكْرُوهًا وَلا مُبَاحًا بَل قَصَدَ كَنْزًا وَاقْتِنَاءً، فَالمَذْهَبُ الصَّحِيحُ المَشْهُورُ الذِي قَطَعَ بِهِ المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ، قَال الرَّافِعِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى فِيهِ خِلافًا، وَلوْ اتَّخَذَ حُليًّا مُبَاحًا فِي عَيْنِهِ لكِنْ لمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْمَالًا وَلا كَنْزًا وَاقْتِنَاءً، أَوْ اتَّخَذَ ليُؤَجِّرَهُ فَإِنْ قُلنَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الحُليِّ المُتَّخَذِ للاسْتِعْمَال المُبَاحِ فَهُنَا أَوْلى، وَإِلا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لا زَكَاةَ فِيهِ، كَمَا لوْ اتَّخَذَهُ ليُعِيرَهُ وَلا أَثَرَ للأُجْرَةِ كَأُجْرَةِ المَاشِيَةِ العَوَامِل وَالثَّانِي تَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا، لأَنَّهُ مُعَدٌّ للنَّمَاءِ. قَال المَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا