ج / 5 ص -361- وَهُوَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ فَقَدْ اسْتَقَرَّ مِلكُهُ عَلى مِائَةٍ وَسِتِّينَ دِينَارًا فِي السِّنِينَ المَاضِيَةِ وَفِيهَا تِسْعَةُ دَنَانِيرَ، فَيَجِبُ إخْرَاجُ البَاقِي وَهُوَ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ.
قَال أَصْحَابُنَا: هَذَا إذَا أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ الأُجْرَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْهَا وَاجِبَ السَّنَةِ الأُولى فَعِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ يُخْرِجُ زَكَاةَ الأَرْبَعِينَ الأُولى سِوَى مَا أَخْرَجَ مِنْهَا فِي السَّنَةِ الأُولى وَزَكَاةَ الأَرْبَعِينَ الثَّانِيَةَ لسَنَتَيْنِ، وَعِنْدَ السَّنَةِ الثَّالثَةِ وَالرَّابِعَةِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، أَمَّا إذَا قُلنَا بِالقَوْل الأَوَّل فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الأُولى زَكَاةَ المِائَةِ وَالسِّتِّينَ، وَكَذَا فِي كُل سَنَةٍ يُخْرِجُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ إنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْهَا زَكَّى كُل سَنَةٍ مَا بَقِيَ. وَاعْلمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ وَالمُصَنِّفَ وَالجُمْهُورَ قَالوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الجَمِيعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا القَوْلانِ فِي كَيْفِيَّةِ الإِخْرَاجِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَال القَاضِي أَبُو الطِّيبِ وَطَائِفَةٌ قَليلةٌ: القَوْلانِ فِي نَفْسِ الوُجُوبِ، وَالإِخْرَاجُ مَبْنِيٌّ عَليْهِمَا إنْ قُلنَا بِالوُجُوبِ وَجَبَ الإِخْرَاجُ وَإِلا فَلا، هَذَا كُلهُ إذَا كَانَتْ الأُجْرَةُ مُتَسَاوِيَةً فِي كُل السِّنِينَ كَمَا مَثَّلنَاهُ أَوَّلًا، فَإِنْ تَفَاوَتَتْ زَادَ القَدْرُ المُسْتَقِرُّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ عَلى أَرْبَعٍ، وَنَقَصَ فِي بَعْضِهَا.
قَال الرَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فَإِنْ قِيل: هَل صُورَةُ المَسْأَلةِ مَا إذَا كَانَتْ الأُجْرَةُ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَهَا؟ أَوْ كَانَتْ مُعِينَةً؟ أَمْ لا فَرْقَ؟ فالجواب: أَنَّ كَلامَ نَقَلةِ المَذْهَبِ يَشْمَل الصُّورَتَيْنِ، وَلمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَتَفْصِيلًا إلا فِي فَتَاوَى القَاضِي حُسَيْنٍ فَإِنَّهُ قَال: فِي الحَالةِ الأُولى الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَجِبُ زَكَاةُ كُل المِائَةِ إذَا حَال الحَوْل لأَنَّ مِلكَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلى مَا أَخَذَ، حَتَّى لوْ انْهَدَمَتْ لا يَلزَمُهُ رَدُّ المَقْبُوضِ بِعَيْنِهِ، بَل لهُ رَدُّ مِثْلهِ. وَفِي الحَالةِ الثَّانِيَةِ قَال: حُكْمُ الزَّكَاةِ حُكْمُهَا فِي المَبِيعِ قَبْل القَبْضِ؛ لأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لأَنْ يَعُودَ إلى المُسْتَأْجِرِ بِانْفِسَاخِ الإِجَارَةِ، وَبِالجُمْلةِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَحَقُّ بِالخِلافِ مِنْ الأُولى وَمَا ذَكَرَهُ القَاضِي اخْتِيَارًا مِنْهُ للوُجُوبِ فِي الحَالتَيْنِ جَمِيعًا. هَذَا آخِرُ كَلامِ الرَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى.
وَقَال صَاحِبُ الحَاوِي: لا خِلافَ فِي المَذْهَبِ أَنَّهُ مَلكَ جَمِيعَ الأُجْرَةِ الحَالةِ بِنَفْسِ العَقْدِ لكِنْ فِي مِلكِهِ قَوْلانِ، نُصَّ فِي البُوَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَلكَهَا مِلكًا مُسْتَقِرًّا كَثَمَنِ المَبِيعِ وَكَالصَّدَاقِ، لأَنَّهُ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِحَيْثُ لوْ كَانَتْ الأُجْرَةُ أَمَةً جَازَ لهُ وَطْؤُهَا فَدَل عَلى أَنَّ مِلكَهُ مُسْتَقِرٌّ، وَنُصَّ فِي الأُمِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الأَظْهَرُ أَنَّهُ مَلكَهَا بِالعَقْدِ مِلكًا مَوْقُوفًا، فَإِذَا مَضَى زَمَانٌ مِنْ المُدَّةِ اسْتَقَرَّ مِلكُهُ عَلى مَا قَابَلهُ مِنْ الأُجْرَةِ لأَنَّ الأُجْرَةَ فِي مُقَابَلةِ المَنْفَعَةِ وَمِلكُ المُسْتَأْجِرِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلى المَنَافِعِ؛ لأَنَّهَا لوْ فَاتَتْ بِالانْهِدَامِ رَجَعَ بِمَا قَابَلهَا مِنْ الأُجْرَةِ، وَلوْ اسْتَقَرَّ مِلكُهُ لمْ يَرْجِعْ بِمَا قَابَلهَا، كَمَا لا يَرْجِعُ المُشْتَرِي إذَا اسْتَقَرَّ مِلكُهُ بِالقَبْضِ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما أَنَّ مِلكَ الزَّوْجِ عَلى الصَّدَاقِ مُسْتَقِرٌّ؛ لأَنَّ مِلكَ الزَّوْجِ لبِضْعِهَا مُسْتَقِرٌّ بِخِلافِ الأُجْرَةِ وَلهَذَا لوْ مَاتَتْ لمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ صَدَاقِهَا، وَلوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ رَجَعَ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الأُجْرَةِ، والثاني: أَنَّ رُجُوعَ الزَّوْجِ بِالصَّدَاقِ إذَا عَرَضَ فَسْخٌ، أَوْ بِنِصْفِهِ إذَا عَرَضَ طَلاقٌ قَبْل الدُّخُول إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ جَلبِ مِلكٍ فَلا يَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ مِلكِ الزَّوْجَةِ عَلى الصَّدَاقِ قَبْل الفِرَاقِ، وَأَمَّا رُجُوعُ المُسْتَأْجِرِ بِقِسْطِ الأُجْرَةِ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ، فَإِنَّمَا هُوَ بِالعَقْدِ السَّابِقِ. وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.