ج / 5 ص -353- والثالث: تَصِحُّ المُعَامَلةُ بِأَعْيَانِهَا وَلا يَصِحُّ التِزَامُهَا فِي الذِّمَّةِ، كَمَا لا يَصِحُّ بَيْعُ الجَوَاهِرِ وَالحِنْطَةِ المُخْتَلطَةِ بِالشَّعِيرِ مَعِيبَةً وَلا يَصِحُّ السَّلمُ فِيهَا وَلا قَرْضُهَا.
والرابع: إنْ كَانَ الغِشُّ فِيهَا غَالبًا لمْ يَجُزْ وَإِلا فَيَجُوزُ. قَال أَصْحَابُنَا: فَإِنْ قُلنَا بِالأَصَحِّ، فَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ مُطْلقًا وَنَقْدُ البَلدِ مَغْشُوشٌ صَحَّ العَقْدُ وَوَجَبَ مِنْ ذَلكَ النَّقْدِ، وَإِنْ قُلنَا بِالآخَرِينَ لمْ يَصِحَّ هَكَذَا ذَكَرَ الخُرَاسَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ المَسْأَلةَ. قَال الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ صَاحِبُ الحَاوِي: إذَا كَانَ قَدْرُ الفِضَّةِ فِي المَغْشُوشَةِ مَجْهُولًا، فَلهُ حَالانِ: أحدهما: أَنْ يَكُونَ الغِشُّ بِشَيْءٍ مَقْصُودٍ لهُ قِيمَةٌ كَالنُّحَاسِ. وَهَذَا لهُ صُورَتَانِ: إحداهما: أَنْ تَكُونَ الفِضَّةُ غَيْرَ مُمَازِجَةٍ للغِشِّ، كَالفِضَّةِ عَلى النُّحَاسِ، فَلا تَصِحُّ المُعَامَلةُ بِهَا لا فِي الذِّمَّةِ وَلا بِعَيْنِهِ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ الآخَرَ غَيْرُ مَعْلومٍ وَلا مُشَاهَدٍ، فَلا تَصِحُّ المُعَامَلةُ بِهَا، كَالفِضَّةِ المَطْليَّةِ بِذَهَبٍ، الثانية: أَنْ تَكُونَ الفِضَّةُ مُمَازِجَةً للنُّحَاسِ، فَلا تَجُوزُ المُعَامَلةُ بِهَا فِي الذِّمَّةِ للجَهْل بِهَا، كَمَا لا يَجُوزُ السَّلمُ فِي المَعْجُونَاتِ، وَفِي جَوَازِهَا عَلى أَعْيَانِهَا وَجْهَانِ: أصحهما: وَبِهِ قَال أَبُو سَعِيدٍ الإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَليٍّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ حِنْطَةٍ مَخْلوطَةٍ بِشَعِيرٍ، وَكَالمَعْجُونَاتِ وَإِنْ لمْ يَجُزْ السَّلمُ بِخِلافِ تُرَابِ المَعَادِنِ؛ لأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
الحال الثاني: أَنْ يَكُونَ الغِشُّ بِشَيْءٍ مُسْتَهْلكٍ لا قِيمَةَ لهُ حِينَئِذٍ كَالزِّئْبَقِ وَالزِّرْنِيخِ، فَإِنْ كَانَا مُمْتَزِجِينَ لمْ تَجُزْ المُعَامَلةُ بِهَا فِي الذِّمَّةِ وَلا مُعَيَّنَةٍ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ مَجْهُولٌ مُمْتَزِجٌ كَتُرَابِ المَعْدِنِ. وَإِنْ لمْ يَكُونَا مُمْتَزِجَيْنِ بَل كَانَتْ الفِضَّةُ عَلى ظَاهِرِ الزِّرْنِيخِ وَالزِّئْبَقِ صَارَتْ المُعَامَلةُ بِأَعْيَانِهَا؛ لأَنَّ المَقْصُودَ مُشَاهَدٌ وَلا يَجُوزُ فِي الذِّمَّةِ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ مَجْهُولٌ. هَذَا كُلهُ لفْظُ صَاحِبِ الحَاوِي قَال صَاحِبُ الحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَالحُكْمُ فِي الدَّنَانِيرِ المَغْشُوشَةِ كَهُوَ فِي الدَّرَاهِمِ المَغْشُوشَةِ كَمَا سَبَقَ، وَلا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلا بِالدَّنَانِيرِ الخَاصَّةِ، وَكَذَا لا يَجُوزُ بَيْعُ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةٍ بِمَغْشُوشَةٍ وَلا بِخَالصَةٍ وَسَتَأْتِي المَسْأَلةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ الرِّبَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. قَال صَاحِبُ الحَاوِي: وَلوْ أَتْلفَ وَسَتَأْتِي المَسْأَلةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ الرِّبَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. قَال صَاحِبُ الحَاوِي: وَلوْ أَتْلفَ الدَّرَاهِمَ المَغْشُوشَةَ إنْسَانٌ لزِمَهُ قِيمَتُهَا ذَهَبًا؛ لأَنَّهُ لا مِثْل لهَا: هَذَا كَلامُهُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلى طَرِيقَتِهِ، وَإِلا فَالأَصَحُّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ مَضْبُوطَةً فَيَجِبُ مِثْلهَا، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
فرع: جَرَتْ عَادَةُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا المَوْضِعِ بِتَفْسِيرِ الكَنْزِ المَذْكُورِ فِي قَوْلهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] وَجَاءَ الوَعِيدُ عَلى الكَنْزِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَال أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ العُلمَاءِ: المُرَادُ بِالكَنْزِ المَال الذِي لا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَمْ ظَاهِرًا. فَأَمَّا مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَليْسَ بِكَنْزٍ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَمْ بَارِزًا. وَمِمَّنْ قَال بِهِ مِنْ أَعْلامِ المُحَدِّثِينَ البُخَارِيُّ فَقَال فِي صَحِيحِهِ: مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَليْسَ بِكَنْزٍ لقَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"ليْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ". ثُمَّ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَال لابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما"الذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ"فَقَال ابْنُ عُمَرَ:"مَنْ كَنَزَهَا فَلمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لهُ، إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاةُ، فَلمَّا نَزَلتْ جَعَلهَا اللهُ تَعَالى طُهْرًا للأَمْوَال"وَهَذَا الحَدِيثُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مُسْنَدٌ مُتَّصِل الإِسْنَادِ.
وَقَدْ غَلطَ بَعْضُ المُصَنَّفِينَ فِي أَحْكَامِ الحَدِيثِ فِي قَوْلهِ: ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْليقًا وَسَبَبُ غَلطِهِ أَنَّ