ج / 5 ص -288- قَال أَصْحَابُنَا: مِمَّا يَدُل عَلى أَنَّهُ فِي الجِزْيَةِ لا فِي الزَّكَاةِ أَنَّ مَذْهَبَ مُعَاذٍ أَنَّهُ لا يَنْقُل وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال:"أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَل مِنْ مِخْلافِ عَشِيرَتِهِ إلى مِخْلافٍ آخَرَ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ فِي مِخْلافِ عَشِيرَتِهِ"فَدَل عَلى أَنَّهُ فِي الجِزْيَةِ التِي يَجُوزُ نَقْلهَا بِالاتِّفَاقِ، وَالجَوَابُ عَنْ ابْنِ اللبُونِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَليْهِ لا للقِيمَةِ، وَلهَذَا لوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَل مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ أَخَذْنَاهُ؛ وَلأَنَّهُ أَيْضًا إنَّمَا يُؤْخَذُ عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ المَخَاضِ، وَلوْ كَانَ قِيمَةً عَلى مَا تَقُولونَ لجَازَ دَفْعُهُ مَعَ وُجُودِهَا. وَالجَوَابُ عَنْ القِيَاسِ عَلى عَرَضِ التِّجَارَةِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ وَالمُخْرَجُ ليْسَ بَدَلًا عَنْ الوَاجِبِ بَل هُوَ الوَاجِبُ، كَمَا أَنَّ الشَّاةَ المُخْرَجَةَ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الإِبِل هِيَ وَاجِبُهَا، لا أَنَّهَا قِيمَةٌ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلى المَنْصُوصِ عَليْهِ فَأَبْطَلهُ أَصْحَابُنَا بِإِخْرَاجِ نِصْفِ صَاعٍ جَيِّدٍ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ وَسَطٍ وَشَاةٍ عَنْ شَاتَيْنِ بِقِيمَتِهِمَا، ثُمَّ المُعْتَمَدُ فِي الأَصْل أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَليْهِ، فَلهَذَا جَازَ إخْرَاجُهُ بِخِلافِ القِيمَةِ. وَأَمَّا قَوْلهُمْ"لمَّا جَازَ العُدُول إلى آخِرِهِ"فَهَذَا قِيَاسٌ فَلا يَلزَمُنَا، مَعَ أَنَّ الوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ جِنْسِ مَالهِ لا مِنْ عَيْنِهِ، فَلمْ يَكُنْ ذَلكَ عُدُولًا عَنْ الوَاجِبِ إلى القِيمَةِ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَنَا إخْرَاجُ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ. قَال أَصْحَابُنَا: هَذَا إذَا لمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، وَنَقَل الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلةِ اجْتِمَاعِ الحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللبُونِ فِي مِائَتَيْنِ عَنْ الأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالوا: يُعْدَل فِي الزَّكَاةِ إلى غَيْرِ الجِنْسِ الوَاجِبِ للضَّرُورَةِ كَمَنْ وَجَبَ عَليْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الإِبِل، فَفَقَدَ الشَّاةَ وَلمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلهَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ وَيُجْزِئُهُ، كَمَنْ لزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَلمْ يَجِدْهَا، وَلا ابْنَ لبُونٍ لا فِي مَالهِ وَلا بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُعْدَل إلى القِيمَةِ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ أَخْذُ الأَغْبَطِ وَأَخَذَ السَّاعِي غَيْرَهُ وَأَوْجَبْنَا التَّفَاوُتَ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ إنْ لمْ يُمْكِنْ تَحْصِيل شِقْصٍ بِهِ، وَكَذَا إنْ أَمْكَنَ عَلى الأَصَحِّ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ نَظَائِرَهُ.
وَذَكَرَ إمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فِي التَّفَاوُتِ عِنْدَ إمْكَانِ الشِّقْصِ، ثُمَّ قَال: فَليُخْرَجْ مِنْ هَذَا الخِلافِ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى الحِسَابُ فِي زَكَاةِ المَاشِيَةِ إلى تَشْقِيصٍ فِي مَسَائِل الخُلطَةِ، فَفِي جَوَازِ القِيمَةِ عَنْ الشِّقْصِ هَذَانِ الوَجْهَانِ. قَال: وَلوْ لزِمَهُ شَاةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَلفَ المَال كُلهُ بَعْدَ إمْكَانِ الأَدَاءِ، وَعَسُرَ تَحْصِيل شَاةٍ وَمَسَّتْ حَاجَةُ المَسَاكِينِ، فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُخْرِجُ القِيمَةَ للضَّرُورَةِ وَلا سَبِيل إلى تَأْخِيرِ حَقِّ المَسَاكِينِ، ثُمَّ ذَكَرَ الإِمَامُ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَليْهِ زَكَاةٌ، وَامْتَنَعَ يَأْخُذُ الإِمَامُ أَيَّ شَيْءٍ وَجَدَهُ، إذَا لمْ يَجِدْ المَنْصُوصَ، كَمَا يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ مَال المُمْتَنِعِ، وَإِنْ لمْ يَنْوِ مَنْ عَليْهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَليْهِ الزَّكَاةُ قَادِرًا عَلى المَنْصُوصِ عَليْهِ، فَفِي إجْزَائِهِ تَرَدُّدٌ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى فِي المُمْتَنِعِ مِنْ النِّيَّةِ، إذَا أَخَذَهَا الإِمَامُ، فَهَذَا كَلامُ الإِمَامِ فِي النِّهَايَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الفَرْعِ الذِي قَبْل هَذَا عَنْ كَلامِهِ فِي الأَسَاليبِ نَحْوُ هَذَا.
وَمِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ التِي تُجْزِئُ فِيهَا القِيمَةُ مَا إذَا أَلزَمَهُمْ السُّلطَانُ بِالقِيمَةِ، وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ المُصَنِّفُ المَسْأَلةَ فِي آخِرِ بَابِ الخُلطَةِ فِيمَا إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِ الخَليطَيْنِ قِيمَةَ الفَرْضِ، فَقَال الصحيح: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلى خَليطِهِ؛ لأَنَّهُ أَخَذَهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَأَشْبَهَ إذَا أَخَذَ الكَبِيرَةَ عَنْ السِّخَال، هَكَذَا قَطَعَ جَمَاهِيرُ الأَصْحَابِ فِي هَذَا المَوْضِعِ بِإِجْزَاءِ القِيمَةِ التِي أَخَذَهَا السَّاعِي نَقَلهُ أَصْحَابُنَا