ج / 5 ص -287- عَليْكُمْ وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ"ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْليقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ، وَبِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ"فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لمْ تَكُنْ فَابْنُ لبُونٍ"قَالوا: وَهَذَا نَصٌّ عَلى دَفْعِ القِيمَةِ قَالوا: وَلأَنَّهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ، فَجَازَتْ قِيمَتُهُ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ؛ وَلأَنَّ القِيمَةَ مَالٌ، فَأَشْبَهَتْ المَنْصُوصَ عَليْهِ ؛ وَلأَنَّهُ لمَّا جَازَ العُدُول عَنْ العَيْنِ إلى الجِنْسِ بِالإِجْمَاعِ بِأَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ غَنَمِهِ عَنْ غَنَمٍ غَيْرَهَا جَازَ العُدُول مِنْ جِنْسٍ إلى جِنْسٍ."
وَاسْتَدَل أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الشَّرْعَ نَصَّ عَلى بِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ وَتَبِيعٍ وَمُسِنَّةٍ وَشَاةٍ وَشِيَاهٍ وَغَيْرِ ذَلكَ مِنْ الوَاجِبَاتِ فَلا يَجُوزُ العُدُول، كَمَا لا يَجُوزُ فِي الأُضْحِيَّةِ وَلا فِي المَنْفَعَةِ وَلا فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الأُصُول التِي وَافَقُوا عَليْهَا وَلا فِي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ. وَاسْتَدَل صَاحِبُ الحَاوِي بِقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ"إلى آخِرِهِ، وَلمْ يَذْكُرْ القِيمَةَ وَلوْ جَازَتْ لبَيَّنَهَا فَقَدْ تَدْعُو الحَاجَةُ إليْهَا؛ وَلأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَال:"فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الإِبِل بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لبُونٍ"وَلوْ جَازَتْ القِيمَةُ لبَيَّنَهَا؛ وَلأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَال:"فِيمَنْ وَجَبَ عَليْهِ جَذَعَةٌ فَإِنْ لمْ تَكُنْ عِنْدَهُ دَفَعَ حِقَّةً وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا"وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الجُبْرَانِ عَلى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَوَّل بَابِ زَكَاةِ الإِبِل فَقَدَّرَ البَدَل بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلوْ كَانَتْ القِيمَةُ مُجْزِئَةً لمْ يُقَدِّرْهُ بَل أَوْجَبَ التَّفَاوُتَ بِحَسْبِ القِيمَةِ.
وَقَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي الأَسَاليبِ: المُعْتَمَدُ فِي الدَّليل لأَصْحَابِنَا أَنَّ الزَّكَاةَ قُرْبَةٌ للهِ تَعَالى وَكُل مَا كَانَ كَذَلكَ فَسَبِيلهُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهِ أَمْرُ اللهِ تَعَالى وَلوْ قَال إنْسَانٌ لوَكِيلهِ: اشْتَرِ ثَوْبًا وَعَلمَ الوَكِيل أَنَّ غَرَضَهُ التِّجَارَةُ وَلوْ وَجَدَ سِلعَةً هِيَ أَنْفَعُ لمُوَكَّلهِ لمْ يَكُنْ لهُ مُخَالفَتُهُ وَإِنْ رَآهُ أَنْفَعَ، فَمَا يَجِبُ للهِ تَعَالى بِأَمْرِهِ أَوْلى بِالاتِّبَاعِ (فَإِنْ قَالوا) : هَذَا يُنَاقِضُ قَوْلكُمْ فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ إنَّ مَقْصُودَهَا سَدُّ الخَلةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ المَقْصُودَ سَدُّ الحَاجَةِ فَلا تُتَّبَعُ الأَعْيَانُ المَنْصُوصُ عَليْهَا قُلنَا: لا نُنْكِرُ أَنَّ المَقْصُودَ الظَّاهِرَ سَدُّ الحَاجَةِ وَلكِنَّ الزَّكَاةَ مَعَ ذَلكَ قُرْبَةٌ فَإِذَا كَانَ المَرْءُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ تَعَيَّنَتْ عَليْهِ النِّيَّةُ، فَلا يُعْتَدُّ بِمَا أَخْرَجَهُ لتَمَكُّنِهِ مِنْ الجَمْعِ بَيْنَ الفَرْضَيْنِ، وَلوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالنِّيَّةِ وَالاسْتِنَابَةِ أَخَذَهَا السُّلطَانُ عَمَلًا بِالفَرْضِ الأَكْبَرِ، وَلهَذَا إذَا أَخْرَجَ بِاخْتِيَارِهِ لمْ يُعْتَدَّ بِهِ كَمَا لوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ بِلا نِيَّةٍ.
وَلوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا وَلمْ يَجِدْ الإِمَامُ لهُ شَيْئًا مِنْ جِنْسِهَا أَخَذَ مَا يَجِدُ، ثُمَّ إذَا اُضْطُرَّ إلى صَرْفِ مَا أَخَذَهُ إلى المَسَاكِينِ أَجْزَأَهُ ذَلكَ وَإِنْ لمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ فَقَدْ خُرِّجَتْ المَسْأَلتَانِ عَلى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالعِبَادَةُ تَقْتَضِي النِّيَّةَ وَالاتِّبَاعَ وَمَبْنَى الزَّكَاةِ عَلى سَدِّ الخَلةِ، فَالاخْتِيَارُ يُوجِبُ النِّيَّةَ وَالاتِّبَاعَ لمَا نَصَّ عَليْهِ جِنْسًا وَقَدْرًا، فَإِنْ عَسُرَتْ النِّيَّةُ أَوْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ المَنْصُوصِ عَليْهِ غَلبَ مَقْصُودُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ سَدُّ الخَلةِ، فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ أَطْرَافِ أَدِلةِ المَسْأَلةِ وَالجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ المُرَادَ بِهِ أَخْذُ البَدَل عَنْ الجِزْيَةِ لا عَنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي الزَّكَاةِ عَنْ الحَبِّ حَبًّا وَعَقَّبَهُ بِالجِزْيَةِ"فَقَال:"خُذْ مِنْ كُل حَالمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلهُ مَغَافِرَفإن قيل: فَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، وَذَلكَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الجِزْيَةِ. قَال صَاحِبُ الحَاوِي: الجَوَابُ: أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ مُعَاذًا عَقَدَ مَعَهُمْ الجِزْيَةَ عَلى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ زُرُوعِهِمْ."