فهرس الكتاب

الصفحة 1926 من 4102

ج / 5 ص -286- وَلمْ يَكُنْ الحَمْل عَيْبًا فِيهَا، بَل هُوَ فَضِيلةٌ، وَلهَذَا أَوْجَبَ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الدِّيَةِ المُغَلظَةِ أَرْبَعِينَ خِلفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا، وَأَجَابَ الأَصْحَابُ عَنْ الأُضْحِيَّةِ فَقَالوا: إنَّمَا لا تُجْزِئُ الحَامِل فِي الأُضْحِيَّةِ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الأُضْحِيَّةِ اللحْمُ وَالحَمْل يُهْزِلهَا وَيَقِل بِسَبَبِهِ لحْمُهَا فَلا تُجْزِئُ، وَالمَقْصُودُ فِي الزَّكَاةِ كَثْرَةُ القِيمَةِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْل، وَذَلكَ فِي الحَامِل، فَكَانَتْ أَوْلى بِالجَوَازِ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.

قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلا يَجُوزُ أَخْذُ القِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ للهِ تَعَالى، وَقَدْ عَلقَهُ عَلى مَا نَصَّ عَليْهِ، فَلا يَجُوزُ نَقْل ذَلكَ إلى غَيْرِهِ، كَالأُضْحِيَّةِ لمَّا عَلقَهَا عَلى الأَنْعَامِ لمْ يَجُزْ نَقْلهَا إلى غَيْرِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ المَنْصُوصِ عَليْهِ سِنًّا أَعْلى مِنْهُ مِثْل أَنْ يُخْرِجَ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ بِنْتَ لبُونٍ أَجْزَأَهُ؛ لأَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ سِتٍّ وَثَلاثِينَ، فَلأَنْ تُجْزِئَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْلى، كَالبَدَنَةِ لمَّا أَجْزَأَتْ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الأُضْحِيَّةِ، فَلأَنْ تُجْزِئَ عَنْ وَاحِدٍ أَوْلى، وَكَذَلكَ لوْ وَجَبَتْ عَليْهِ مُسِنَّةٌ فَأَخْرَجَ تَبِيعَيْنِ أَجْزَأَهُ؛ لأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَهُ ذَلكَ عَنْ سِتِّينَ فَلأَنْ يُجْزِئَ عَنْ أَرْبَعِينَ أَوْلى".

الشرح: اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ لا يَجُوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الأَصْحَابِ، فِيهِ وَجْهٌ أَنَّ القِيمَةَ تُجْزِئُ حَكَاهُ1 وَهُوَ شَاذٌّ بَاطِلٌ، وَدَليل المَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وأما: إذَا أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلى مِنْ الوَاجِبِ كَبِنْتِ لبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ وَنَظَائِرُهُ فَتُجْزِئُهُ بِلا خِلافٍ، لحَدِيثِ أُبَيِّ السَّابِقِ وَلمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وأما: إذَا أَخْرَجَ تَبِيعَيْنِ عَنْ المُسِنَّةِ فَقَدْ قَطَعَ المُصَنِّفُ بِجَوَازِهِ، وَهُوَ المَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الجَمَاهِيرُ وَفِيهِ وَجْهٌ سَبَقَ فِي بَابِ زَكَاةِ البَقَرِ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.

فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ وَبِهِ قَال مَالكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد إلا أَنَّ مَالكًا جَوَّزَ الدَّرَاهِمَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَعَكْسُهُ وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، فَإِنْ لزِمَهُ شَاةٌ فَأَخْرَجَ عَنْهَا دَرَاهِمَ بِقِيمَتِهَا أَوْ أَخْرَجَ عَنْهَا مَا لهُ قِيمَةٌ عِنْدَهُ كَالكَلبِ وَالثِّيَابِ جَازَ. وَحَاصِل مَذْهَبِهِ أَنَّ كُل مَا جَازَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ جَازَ إخْرَاجُهُ فِي الزَّكَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الجِنْسِ الذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ إلا فِي مَسْأَلتَيْنِ إحداهما: تَجِبُ عَليْهِ الزَّكَاةُ فَيُخْرِجُ بِقِيمَتِهَا مَنْفَعَةَ عَيْنٍ بِأَنْ يُسَلمَ إلى الفُقَرَاءِ دَارًا يَسْكُنُونَهَا بِقِيمَةِ الزَّكَاةِ. والثانية: أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ صَاعٍ جَيِّدٍ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ وَسَطٍ لزِمَهُ فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُهُ وَوَافَقَ عَلى أَنَّهُ لا تُجْزِئُ القِيمَةُ فِي الأُضْحِيَّةِ، وَكَذَا لوْ لزِمَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ لا تُجْزِئُ قِيمَتُهَا وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَدَّى عَنْ خَمْسَةٍ جِيَادٍ خَمْسَةً دُونَهَا فِي الجَوْدَةِ أَجْزَأَهُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يُؤَدِّي فَضْل مَا بَيْنَهُمَا، وَقَال زُفَرُ: عَليْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهَا وَلا يُجْزِئُهُ الأَوَّل، كَذَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرِ الرَّازِيّ وَقَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُجْزِئُ إخْرَاجُ العُرُوضِ عَنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ بِقِيمَتِهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لنَا كَمَا سَبَقَ.

وَاحْتَجَّ المُجَوِّزُونَ للقِيمَةِ بِأَنَّ مُعَاذًا رضي الله عنه قَال لأَهْل اليَمَنِ حَيْثُ بَعَثَهُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَخْذِ زَكَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا:"ائْتُونِي بِعَرَضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بياض بالأكمل ولعله: حكاه أبوبكر الرازي كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت