فهرس الكتاب

الصفحة 1835 من 4102

ج / 5 ص -200- وَلكِنْ نَهَيْت عَنْ النَّوْحِ"وَلا يَجُوزُ لطْمُ الخُدُودِ، وَلا شَقُّ الجُيُوبِ، لمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال:"ليْسَ مِنَّا مَنْ لطَمَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِليَّةِ"."

الشرح: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا وَقَال: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ جَابِرٍ، وَمَعْنَى: لا نُغْنِي عَنْك شَيْئًا أَيْ لا نَدْفَعُ وَلا نَكُفُّ، وقوله: ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ - بِفَتْحِ الذَّال المُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ - أَيْ سَال دَمْعُهَا؛ وَالجَاهِليَّةُ مِنْ الجَهْل.

قَال الوَاحِدِيُّ رحمه الله: هُوَ اسْمٌ لمَا كَانَ قَبْل الإِسْلامِ فِي الفَتْرَةِ لكَثْرَةِ جَهْلهِمْ. وَالنَّدْبُ تَعْدِيدُ مَحَاسِنِ المَيِّتِ مَعَ البُكَاءِ كَقَوْلهَا: وَاجَبَلاه وَاسَنَدَاه وَاكَرِيمَاه وَنَحْوُهَا مِنْ النِّيَاحَةِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ. قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: البُكَاءُ عَلى المَيِّتِ جَائِزٌ قَبْل المَوْتِ وَبَعْدَهُ وَلكِنْ قَبْلهُ أَوْلى لحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلبَ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَل ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ فَقَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، قَالوا: وَمَا الوُجُوبُ يَا رَسُول اللهِ؟ قَال: المَوْتُ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالكٌ فِي المُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.

وَلفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ: وَأُرَخِّصُ فِي البُكَاءِ قَبْل المَوْتِ، فَإِذَا مَاتَ أَمْسَكْنَ وَقَال صَاحِبُ الشَّامِل وَطَائِفَةٌ: يُكْرَهُ البُكَاءُ بَعْدَ المَوْتِ لظَاهِرِ الحَدِيثِ فِي النَّهْيِ، وَلمْ يَقُل الجُمْهُورُ: وَيُكْرَهُ، وَإِنَّمَا قَالوا: الأَوْلى تَرْكُهُ قَالوا: وَهُوَ مُرَادُ الحَدِيثِ وَلفْظُ الشَّافِعِيِّ مُحْتَمَلٌ، هَذَا كُلهُ فِي البُكَاءِ بِلا نَدْبٍ وَلا نِيَاحَةٍ. أَمَّا النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ وَلطْمُ الخَدِّ وَشَقُّ الجَيْبِ وَخَمْشُ الوَجْهِ وَنَشْرُ الشَّعْرِ وَالدُّعَاءُ بِالوَيْل وَالثُّبُورِ، فَكُلهَا مُحَرَّمَةٌ بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ الجُمْهُورُ بِالتَّحْرِيمِ، وَوَقَعَ فِي كَلامِ بَعْضِهِمْ لفْظُ الكَرَاهَةِ، وَكَذَا وَقَعَ لفْظُ الكَرَاهَةِ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ وَحَمَلهَا الأَصْحَابُ عَلى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ نَقَل جَمَاعَةٌ الإِجْمَاعَ فِي ذَلكَ. قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ رحمه الله: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِإِفْرَاطٍ فِي مَعْنَى شَقِّ الجَيْبِ، قَال غَيْرُهُ: هَذَا إذَا كَانَ مُخْتَارًا فَإِنْ كَانَ مَغْلوبًا لمْ يُؤَاخَذْ بِهِ لأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلفٍ، وَأَمَّا قَوْل الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الأُمِّ: وَأَكْرَهُ المَآتِمَ وَهِيَ الجَمَاعَةُ وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهُمْ بُكَاءٌ، فَمُرَادُهُ الجُلوسُ للتَّعْزِيَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.

فرع: فِي الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي أَنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَليْهِ وَبِالبُكَاءِ عَليْهِ وَبَيَانُ تَأْوِيلهَا وَمَذَاهِبُ العُلمَاءِ فِيهَا. عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال:"المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَليْهِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال:"إنَّ المَيِّتَ ليُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلهِ عَليْهِ"قَال: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلهِ عَليْهِ"قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلكَ لعَائِشَةَ فَقَالتْ:"رَحِمَ اللهُ عُمَرَ وَاَللهِ مَا حَدَّثَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللهَ ليُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلهِ عَليْهِ وَلكِنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"إنَّ اللهَ ليَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلهِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت