ج / 5 ص -199- فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ فِي كَرَاهَةِ الجُلوسِ لهَا، صَرَّحَ بِهِ المَحَامِليُّ وَنَقَلهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الأُمِّ، قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: وَأَكْرَهُ المَآتِمَ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهُمْ بُكَاءٌ، فَإِنَّ ذَلكَ يُجَدِّدُ الحُزْنَ وَيُكَلفُ المُؤْنَةَ مَعَ مَا مَضَى فِيهِ مِنْ الأَثَرِ، هَذَا لفْظُهُ فِي الأُمِّ، وَتَابَعَهُ الأَصْحَابُ عَليْهِ وَاسْتَدَل لهُ المُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِدَليلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالتْ:"لمَّا جَاءَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَتْل ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ رضي الله عنهم جَلسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ شِقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: إنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ التَّعْزِيَةِ قَبْل الدَّفْنِ، وَبَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ، وَقَال الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُعَزَّى قَبْل الدَّفْنِ لا بَعْدَهُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلى المَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ وَلا نِيَاحَةٍ، لمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه قَال"قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا إبْرَاهِيمُ1 إنَّا لا نُغْنِي عَنْك مِنْ اللهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا رَسُول اللهِ أَتَبْكِي؟ أَوْ لمْ تَنْهَ عَنْ البُكَاءِ؟ قَال: لا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال النووي في"التهذيب" (إبراهيم بن أبي القاسم محمد) رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في"المهذب"في التعدية أمه مارية القبطية ولدته في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وتوفي سنة عشر ثبت في"صحيح البخاري"أنه توفي وله سبعة عشر أو ثمانية عشر شهرا هكذا ثبت على الشك. قال الواقدي وغيره: توفي يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الأول سنة عشر وثبت في البخاري من رواية البراء بن عازب أنه لما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن له مرضعا في الجنة) ضبطناه بالوجهين أشهرهما بضم الميم وكسر الضاد والثاني بفتحهما وسر رسول الله عليه وسلم بولادته كثيرا, وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي رافع فبشر أبو رافع به النبي صلى الله عليه وسلم فوهبه عبدا وحلق شعره يوم سابعه.
قال الزبير بن بكار:وتصدق بزنة شعره فضه ودفنه (أي شعره) وسماه, ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة المترضعة قال الزبير: تنافست الأنصار فيمن يرضعه وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي صلى الله عليه وسلم وفي"صحيح مسلم"عن أنس قال: قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم أي زوج مرضعته فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بمنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يارسول الله فقال: يا ابن عوف أنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال: (إن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ودفن في البقيع وقبره مشهور عليه قبة, وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر أربع تكبيرات, هذا قول جمهور العلماء وهو الصحيح وروى ابن إسحاق بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه, قال ابن عبد البر: هذا غلط فقد أجمع جماهير العلماء على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا وهو عمل استفيض في السلف والخلف, قيل: إن الفضل بن عباس غسل إبرإهيم ونزل في قبره هو وأسامة بن زيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على شفير القبر ورش على قبره ماء وهو أول قبر رش عليه الماء وأما ماروي عن بعض المتقدمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيا فباطل وجسارة على الكلام في المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلات و الله المستعان.