ج / 1 ص -36- وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ حَتَّى عَجَزَ لَدَيْهِ الْمُنَاظِرُونَ مِنْ الطَّوَائِفِ، وَأَصْحَابُ الْفُنُونِ، وَاعْتَرَفَ بِتَبْرِيزِهِ، وَأَذْعَنَ الْمُوَافِقُونَ، وَالْمُخَالِفُونَ فِي الْمَحَافِلِ الْمَشْهُورَةِ الْكَبِيرَةِ، الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَئِمَّةِ عَصْرِهِ فِي الْبُلْدَانِ، وَهَذِهِ الْمُنَاظَرَاتُ مَعْرُوفَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِهِ رضي الله عنه وَفِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالٍ مُتَأَخِّرِينَ، وَفِي كِتَابِ"الأم"لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَاتِ جُمَلٌ مِنْ الْعَجَائِبِ، وَالْآيَاتِ، وَالنَّفَائِسِ الْجَلِيلَاتِ، وَالْقَوَاعِدِ الْمُسْتَفَادَاتِ، وَكَمْ مِنْ مُنَاظَرَةٍ، وَقَاعِدَةٍ فِيهِ يَقْطَعُ كُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا، وَأَنْصَفَ، وَصَدَقَ: أَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَصَدَّرَ فِي عَصْرِ الْأَئِمَّةِ الْمُبْرَزِينَ لِلْإِفْتَاءِ، وَالتَّدْرِيسِ، وَالتَّصْنِيفِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ شَيْخُهُ أَبُو خَالِدٍ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، إمَامُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمُفْتِيهَا، وَقَالَ لَهُ: افْتِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ، وَاَللَّهِ آنَ لَكَ أَنْ تُفْتِيَ وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ إذْ ذَاكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأَقَاوِيلُ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَأُخِذَ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْعِلْمُ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ، مَعَ تَوَفُّرِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَهَذَا مِنْ الدَّلَائِلِ الصَّرِيحَةِ لِعِظَمِ جَلَالَتِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ فِي كُتُبِ مَنَاقِبِهِ، وَغَيْرِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ شِدَّةُ اجْتِهَادِهِ فِي نُصْرَةِ الْحَدِيثِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَجَمْعُهُ فِي مَذْهَبِهِ بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَدِلَّةِ، مَعَ الْإِتْقَانِ، وَالتَّحْقِيقِ، وَالْغَوْصِ التَّامِّ عَلَى الْمَعَانِي، وَالتَّدْقِيقِ، حَتَّى لُقِّبَ حِينَ قَدِمَ الْعِرَاقَ بِنَاصِرِ الْحَدِيثِ، وَغَلَبَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى مُتَّبِعِي مَذْهَبِهِ لَقَبُ ( أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ، وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمَعْرُوفِ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَكَانَ مِنْ حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ بِالْغَايَةِ الْعَالِيَةِ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ تَعْلَمُ سُنَّةً صَحِيحَةً لَمْ يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كُتُبَهُ ؟ قَالَ: لَا، وَمَعَ هَذَا فَاحْتَاطَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لِكَوْنِ الْإِحَاطَةِ مُمْتَنِعَةً عَلَى الْبَشَرِ، فَقَالَ مَا قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ رضي الله عنه مِنْ أَوْجُهٍ مِنْ وَصِيَّتِهِ بِالْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَتَرْكِ قَوْلِهِ