ج / 5 ص -155- فَمَنْ قَال: صَلى. أَرَادَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ عَليْهِ، وَاشْتَغَل صلى الله عليه وسلم بِصَلاةِ الكُسُوفِ وَمَنْ قَال: لمْ يُصَل أَيْ: لمْ يُصَل بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ قَوْلهِ: المَقْصُودُ المَغْفِرَةُ. فَبَاطِلٌ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلى المَجْنُونِ الذِي بَلغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ حَتَّى مَاتَ، وَعَلى مَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلمَ ثُمَّ مَاتَ مُتَّصِلًا بِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ ذَنْبٍ، فَإِنَّ الصَّلاةَ ثَابِتَةٌ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ بِالإِجْمَاعِ وَلا ذَنْبَ لهُ بِلا شَكٍّ. وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَأَمَّا السِّقْطُ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيل مَذْهَبِنَا فِيهِ، قَال مَالكٌ: لا يُصَلى عَليْهِ إلا أَنْ يَخْتَلجَ وَيَتَحَرَّكَ وَيَطُول ذَلكَ عَليْهِ، وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ التَّابِعِيِّ وَالحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَالكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ إذَا لمْ يَسْتَهِل لا يُصَلى عَليْهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ يُصَلى عَليْهِ وَإِنْ لمْ يَسْتَهِل، وَبِهِ قَال ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ المُسَيِّبِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَقَال العَبْدَرِيُّ: إنْ كَانَ لهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لمْ يُصَل عَليْهِ بِلا خِلافٍ، يَعْنِي بِالإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلمْ يَتَحَرَّكْ لمْ يُصَل عَليْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلمَاءِ، وَقَال أَحْمَدُ وَدَاوُد رحمهما الله: يُصَلى عَليْهِ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ لمْ يُصَل عَليْهِ لقوله تعالى {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] وَلأَنَّ الصَّلاةَ لطَلبِ المَغْفِرَةِ، وَالكَافِرُ لا يُغْفَرُ لهُ، فَلا مَعْنَى للصَّلاةِ عَليْهِ وَيَجُوزُ غُسْلهُ وَتَكْفِينُهُ لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَمَرَ عَليًّا رضي الله عنه أَنْ يُغَسِّل أَبَاهُ، وَأَعْطَى قَمِيصَهُ ليُكَفَّنَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلول"فَإِنْ اخْتَلطَ المُسْلمُونَ بِالكُفَّارِ وَلمْ يَتَمَيَّزُوا صَلوْا عَلى المُسْلمِينَ بِالنِّيَّةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ تَنْصَرِفُ إلى المَيِّتِ بِالنِّيَّةِ، وَالاخْتِلاطُ لا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّةِ".
الشَّرْحُ: حَدِيثُ عَليٍّ رضي الله عنه ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ أُبَيِّ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَدِيثِ عَليٍّ رضي الله عنه فِي بَابِ غُسْل المَيِّتِ، وَحَدِيثُ ابْنِ أُبَيِّ فِي بَابِ الكَفَنِ، وَأَجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِ الصَّلاةِ عَلى الكَافِرِ، وَيَجُوزُ غُسْلهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ، وَأَمَّا وُجُوبُ التَّكْفِينِ فَفِيهِ خِلافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ وَاضِحًا فِي بَابِ غُسْل المَيِّتِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ زِيَارَةُ قَبْرِهِ وَالدُّعَاءُ لهُ، وَاتِّبَاعُ جِنَازَتِهِ، وَغَيْرُ ذَلكَ مِمَّا يَتَعَلقُ بِهِ.
أَمَّا: إذَا اخْتَلطَ مُسْلمُونَ بِكَفَّارٍ، وَلمْ يَتَمَيَّزُوا، فَقَال أَصْحَابُنَا: يَجِبُ غَسْل جَمِيعِهِمْ وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلاةُ عَليْهِمْ، وَدَفْنُهُمْ، وَلا خِلافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا؛ لأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ وَاجِبَةٌ فِي المُسْلمِينَ وَهَؤُلاءِ فِيهِمْ مُسْلمُونَ، وَلا يُتَوَصَّل إلى أَدَاءِ الوَاجِبِ إلا بِاسْتِيعَابِ الجَمِيعِ، فَوَجَبَ ذَلكَ، وَلا فَرْقَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ عَدَدُ المُسْلمِينَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل حَتَّى لوْ اخْتَلطَ مُسْلمٌ بِمِائَةِ كَافِرٍ وَجَبَ غَسْل الجَمِيعِ وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلاةُ عَليْهِمْ وَدَفْنُهُمْ وَأَمَّا المَقْبَرَةُ التِي يُدْفَنُونَ فِيهَا فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي بَابِ حَمْل الجِنَازَةِ إنْ شَاءَ اللهُ.
قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ، فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْ الجَمِيعِ