ج / 5 ص -150- فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِيمَنْ فَاتَهُ الصَّلاةُ عَلى المَيِّتِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلي عَلى القَبْرِ. وَنَقَلوهُ عَنْ عَليٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم. قَال ابْنُ المُنْذِرِ رحمه الله: وَهُوَ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَعَائِشَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَقَال النَّخَعِيُّ وَمَالكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلى عَلى المَيِّتِ إلا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَلا يُصَلى عَلى القَبْرِ إلا أَنْ يُدْفَنَ بِلا صَلاةٍ، إلا أَنْ يَكُونَ الوَليُّ غَائِبًا فَصَلى غَيْرُهُ عَليْهِ وَدُفِنَ فَللوَليِّ أَنْ يُصَليَ عَلى القَبْرِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: لا يُصَلى عَلى القَبْرِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ دَفْنِهِ، وَقَال أَحْمَدُ رحمه الله إلى شَهْرٍ. وَإِسْحَاقُ إلى شَهْرٍ للغَائِبِ وَثَلاثَةِ أَيَّامٍ للحَاضِرِ. دَليلنَا فِي الصَّلاةِ عَلى القَبْرِ وَإِنْ صَلى عَليْهِ الأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي المَسْأَلةِ الثَّانِيَةِ.
قال المصنف رحمه الله نعالى:"تجوز الصلاة على الميت الغائب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي لأصحابه وهو بالمدينة وصلى عليه وصلوا خلفه وإن كان الميت معه في البلد لم يجز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، وَرَوَاهُ مُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالنَّجَاشِيُّ رضي الله عنه بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ اليَاءِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ. بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ صَادٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُهْمَلتَيْنِ. هَكَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ وَقِيل: صَحَمَةُ وَقِيل: غَيْرُهُ، وَالنَّجَاشِيُّ اسْمٌ لكُل مَنْ مَلكَ الحَبَشَةَ. كَمَا سُمِّيَ كُل خَليفَةٍ للمُسْلمِينَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. وَمَنْ مَلكَ الرُّومَ قَيْصَرَ. وَالتُّرْكَ خَاقَانَ، وَالفُرْسَ كِسْرَى. وَالقِبْطَ فِرْعَوْنَ وَمِصْرَ العَزِيزَ وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَمَذْهَبُنَا جَوَازُ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ الغَائِبِ عَنْ البَلدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي جِهَةِ القِبْلةِ أَمْ فِي غَيْرِهَا. وَلكِنَّ المُصَليَ يَسْتَقْبِل القِبْلةَ وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ المَسَافَةُ بَيْنَ البَلدَيْنِ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً وَلا خِلافَ فِي هَذَا كُلهِ عِنْدَنَا. أَمَّا: إذَا كَانَ المَيِّتُ فِي البَلدِ فَطَرِيقَانِ: المَذْهَبُ: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ: لا يَجُوزُ أَنْ يُصَليَ عَليْهِ حَتَّى يَحْضُرَ عِنْدَهُ؛ لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يُصَل عَلى حَاضِرٍ فِي البَلدِ إلا بِحَضْرَتِهِ؛ وَلأَنَّهُ لا مَشَقَّةَ فِيهِ بِخِلافِ الغَائِبِ عَنْ البَلدِ."
والطريق الثاني: حَكَاهُ الخُرَاسَانِيُّونَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: هَذَا والثاني: يَجُوزُ كَالغَائِبِ. فَإِنْ قُلنَا: لا يَجُوزُ قَال الرَّافِعِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لا يَكُونَ بَيْنَ الإِمَامِ وَالمَيِّتِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ أَوْ ثَلاثِمِائَةٍ تَقْرِيبًا. قَال: وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيِّ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّلاةِ عَلى الغَائِبِ عَنْ البَلدِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهُ وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ. دَليلنَا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ وَهُوَ صَحِيحٌ لا مَطْعَنَ فِيهِ وَليْسَ لهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ صَحِيحٌ بَل ذَكَرُوا فِيهِ خَيَالاتٍ أَجَابَ عَنْهَا أَصْحَابُنَا بِأَجْوِبَةٍ مَشْهُورَةٍ: مِنْهَا: