فهرس الكتاب

الصفحة 1782 من 4102

ج / 5 ص -149- وَلكِنْ هِيَ فِي الجُمْلةِ مُخَاطَبَةٌ، فَاَلذِي أَرَاهُ أَنَّهَا تُصَلي. هَذَا كَلامُ الإِمَامِ، وَكَذَا قَطَعَ الغَزَاليُّ فِي البَسِيطِ بِأَنَّ الكَافِرَ وَالحَائِضَ يَوْمَ المَوْتِ إذَا أَسْلمَ وَطَهُرَتْ صَليَا، وَهَذَا الذِي قَالاهُ مُخَالفٌ لظَاهِرِ كَلامِ الأَصْحَابِ، فَإِنَّ الكَافِرَ وَالحَائِضَ ليْسَ مِنْ أَهْل الصَّلاةِ. وَقَدْ قَالوا: لا يُصَلي مَنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل فَرْضِ الصَّلاةِ أَوْ مَنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الصَّلاةِ حَال المَوْتِ. وَقَدْ صَرَّحَ المُتَوَلي بِأَنَّهُمَا لا يُصَليَانِ، وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي حِكَايَةِ هَذَا الوَجْهِ: يُصَلي عَليْهِ مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلاةِ عَليْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ، فَأَمَّا مَنْ بَلغَ بَعْدَهُ فَلا.

وَاحْتَجَّ المُتَوَلي لهَذَا الوَجْهِ بِأَنَّ حُكْمَ الخِطَابِ يَتَعَلقُ بِكُل مَنْ هُوَ مِنْ أَهْل الصَّلاةِ، وَفِعْل غَيْرِهِمْ لمْ يُسْقِطْ الفَرْضَ فِي حَقِّهِمْ وَإِنَّمَا أَسْقَطَ الحَرَجَ، وَإِذَا قُلنَا يُصَلى عَليْهِ مَا لمْ يَبْل جَسَدُهُ. قَال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الفُرُوقِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: المُرَادُ مَا لمْ يَبْقَ مِنْ بَدَنِهِ شَيْءٌ لا لحْمٌ وَلا عَظْمٌ، فَمَتَى بَقِيَ عَظْمٌ صَلى.

قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَيَخْتَلفُ هَذَا بِاخْتِلافِ البِقَاعِ فَلوْ شَكَكْنَا فِي انْمِحَاقِ أَجْزَائِهِ صَلى؛ لأَنَّ الأَصْل بَقَاؤُهُ. هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ، وَهُوَ مُقْتَضَى عِبَارَةِ البَاقِينَ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ فِي تَعْليقِهِ وَالمَحَامِليَّ فِي التَّجْرِيدِ وَالصَّيْدَلانِيّ وَالقَاضِيَ حُسَيْنًا وَآخَرِينَ، قَالوا: يُصَلى عَليْهِ مَا لمْ يُعْلمْ أَنَّهُ بَليَ وَذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهُ. وَقَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَاليُّ فِي البَسِيطِ: فِيهِ احْتِمَالانِ أحدهما: هَذَا والثاني: لا يُصَلى؛ لأَنَّ صِحَّةَ الصَّلاةِ عَلى هَذَا الوَجْهِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى العِلمِ بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ. وَعِبَارَةُ المَحَامِليِّ فِي المَجْمُوعِ تُوَافِقُ هَذَا، فَإِنَّهُ قَال: يُصْلى مَا دَامَ يُعْلمُ أَنَّ فِي القَبْرِ مِنْهُ شَيْئًا، وَالمَذْهَبُ الأَوَّل.

قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَإِذَا قُلنَا بِالوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ يُصَلى أَبَدًا فَهَل تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلى قَبْرِ نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الأَنْبِيَاءِ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عَلى هَذَا الوَجْهِ أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الخُرَاسَانِيِّينَ وَالمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ. قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: وَهُوَ قَوْل جَمَاهِيرِ الأَصْحَابِ، وَبِهَذَا قَطَعَ البَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ.

والثاني: وَهُوَ قَوْل أَبِي الوَليدِ النَّيْسَابُورِيِّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُصَلى عَليْهِ فُرَادَى لا جَمَاعَةً. قَال: وَالنَّهْيُ الوَارِدُ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الصَّلاةِ عَليْهِ جَمَاعَةً، وَكَانَ أَبُو الوَليدِ يَقُول: أَنَا أُصَلي اليَوْمَ عَلى قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالحِينَ وَبِهَذَا الوَجْهِ الذِي قَالهُ أَبُو الوَليدِ قَطَعَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْليقِ وَالمُجَرَّدِ، وَالمَحَامِليُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْليقِهِ، وَالأَوَّل أَصَحُّ. وَاَللهُ أَعْلمُ.

فرع: إذَا دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلاةٍ قَال أَصْحَابُنَا يَأْثَمُ الدَّافِنُونَ، وَكُل مَنْ تَوَجَّهَ عَليْهِ فَرْضُ هَذِهِ الصَّلاةِ مِنْ أَهْل تِلكَ النَّاحِيَةِ؛ لأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلاةِ عَلى الدَّفْنِ وَاجِبٌ. وَإِنْ كَانَتْ الصَّلاةُ عَلى القَبْرِ تُسْقِطُ الفَرْضَ إلا أَنَّهُمْ يَأْثَمُونَ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالأَصْحَابُ وَلا خِلافَ فِيهِ. قَال أَصْحَابُنَا: لكِنْ لا يُنْبَشُ بَل يُصَلى عَلى القَبْرِ؛ لأَنَّ نَبْشَهُ انْتِهَاكٌ لهُ وَالصَّلاةُ عَلى القَبْرِ تُجْزِئُهُ. هَكَذَا قَالهُ الأَصْحَابُ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لا يَسْقُطُ الفَرْضُ بِالصَّلاةِ عَلى القَبْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلطٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت