ج / 5 ص -148- جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ فَصَلاةُ الجَمِيعِ تَقَعُ فَرْضًا، قَال صَاحِبُ التَّتِمَّةِ تَنْوِي الطَّائِفَةُ بِصَلاتِهِمْ الفَرْضَ؛ لأَنَّ فِعْل غَيْرِهِمْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الحَرَجَ لا الفَرْضَ، وَبَسَطَ إمَامُ الحَرَمَيْنِ رحمه الله هَذَا بَسْطًا حَسَنًا فَقَال"إذَا صَلى عَلى المَيِّتِ جَمْعٌ يَقَعُ الاكْتِفَاءُ بِبَعْضِهِمْ"فَاَلذِي ذَهَبَ إليْهِ الأَئِمَّةُ أَنَّ صَلاةَ كُل وَاحِدَةٍ تَقَعُ فَرِيضَةً، وَليْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلى بِوَصْفِهِ بِالقِيَامِ بِالغَرَضِ مِنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِالفَرِيضَةِ للجَمِيعِ، قَال: وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال هُوَ كَإِيصَال المُتَوَضِّئِ المَاءَ إلى جَمِيعِ رَأْسِهِ دَفْعَةً، وَقَدْ اخْتَلفُوا فِي أَنَّ الجَمِيعَ فَرْضٌ؟ أَمْ الفَرْضُ مَا يَقَعُ عَليْهِ الاسْمُ فَقَطْ؟ قَال: وَلكِنْ قَدْ يَتَخَيَّل الفَطِنُ فَرْقًا وَيَقُول مَرْتَبَةُ الفَرْضِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ السُّنَّةِ وَكُل مُصَلٍّ فِي الجَمْعِ الكَبِيرِ يَنْبَغِي أَنْ لا يُحْرَمَ رُتْبَةَ الفَرْضِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَهَذَا لطِيفٌ لا يَقَعُ مِثْلهُ، قَال: ثُمَّ قَال الأَئِمَّةُ: إذَا صَلتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ كَانَتْ كَصَلاتِهِمْ مَعَ الأَوَّلينَ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا قَوْل المُصَنِّفِ"وَصَلاةُ الجِنَازَةِ لا يُتَنَفَّل بِمِثْلهَا"فَمَعْنَاهُ لا يَجُوزُ الابْتِدَاءُ بِصُورَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ بِخِلافِ صَلاةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يُصَلي مِثْل صُورَتِهَا ابْتِدَاءً بِلا سَبَبٍ. وَلكِنْ هَذَا الذِي قَالهُ يَنْتَقِضُ بِصَلاةِ النِّسَاءِ عَلى الجِنَازَةِ فَإِنَّهُنَّ إذَا صَليْنَ عَلى الجِنَازَةِ مَعَ الرِّجَال وَقَعَتْ صَلاتُهُنَّ نَافِلةً، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي المَسْأَلةِ الثَّانِيَةِ وَاَللهُ أَعْلمُ.
الرابعة: إذَا حَضَرَ مَنْ لمْ يُصَل عَليْهِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَأَرَادَ الصَّلاةَ عَليْهِ فِي القَبْرِ أَوْ أَرَادَ الصَّلاةَ عَليْهِ فِي بَلدٍ آخَرَ جَازَ بِلا خِلافٍ للأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي المَسْأَلةِ الثَّانِيَةِ. وَإِلى مَتَى تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلى المَدْفُونِ؟ فِيهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ: أحدها: يُصَلى عَليْهِ إلى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلا يُصَلى بَعْدَهَا، حَكَاهُ الخُرَاسَانِيُّونَ وَهُوَ المَشْهُورُ عِنْدَهُمْ والثاني: إلى شَهْرٍ والثالث: مَا لمْ يَبْل جَسَدُهُ والرابع: يُصَلي عَليْهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل فَرْضِ الصَّلاةِ عَليْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ والخامس: يُصَلي مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلاةِ عَليْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَإِنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الفَرْضِ فَيَدْخُل الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ. وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الوَجْهَ للمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ صَحَّحَهُ البَنْدَنِيجِيُّ وَالسَّادِسُ: يُصَلى عَليْهِ أَبَدًا، فَعَلى هَذَا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلى قُبُورِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَمَنْ قَبْلهُمْ اليَوْمَ، وَاتَّفَقَ الأَصْحَابُ عَلى تَضْعِيفِ هَذَا السَّادِسِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَضْعِيفِهِ المَاوَرْدِيُّ وَالمَحَامِليُّ وَالفُورَانِيّ وَإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالبَغَوِيُّ وَالغَزَاليُّ فِي البَسِيطِ وَآخَرُونَ، وَإِنْ كَانَ فِي كَلامِ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ إشَارَةٌ إلى تَرْجِيحِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ مُخَالفٌ للأَصْحَابِ وَللدَّليل.
وَاخْتَلفُوا فِي الأَصَحِّ مِنْ الأَوْجُهِ فَصَحَّحَ المَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالجُرْجَانِيُّ الثَّالثَ، وَصَحَّحَ الجُمْهُورُ أَنَّهُ يُصَلي عَليْهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل فَرْضِ الصَّلاةِ عَليْهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالفُورَانِيُّ وَالبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالوا: وَهُوَ قَوْل أَبِي زَيْدٍ المَرْوَزِيِّ، فَعَلى هَذَا الوَجْهِ لوْ كَانَ يَوْمَ المَوْتِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلمَ. قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: الذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُصَلي؛ لأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الصَّلاةِ بِأَنْ يُسْلمَ فَهُوَ كَالمُحْدِثِ.
قَال: وَالمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ حَائِضًا يَوْمَ المَوْتِ طَهُرَتْ فَالحَيْضُ يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلاةِ وَصِحَّتَهَا،