ج / 5 ص -147- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ المِسْكِينَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ أَوْ رَجُلًا كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَل عَنْهُ فَقَالوا: مَاتَ فَقَال: أَفَلا آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلونِي عَلى قَبْرِهِ فَدَلوهُ فَصَلى عَليْهِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلى عَلى قَبْرِ مَنْبُوذٍ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ وَفِي البَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، وَمَعْلومٌ أَنَّ هَؤُلاءِ مَا دُفِنُوا إلا بَعْدَ صَلاةِ طَائِفَةٍ عَليْهِمْ بِحَيْثُ سَقَطَ الحَرَجُ بِصَلاتِهِمْ وَإِلا فَلا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ دَفْنُهُمْ قَبْل الصَّلاةِ.
وَالجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِأَنَّ صَلاةَ الثَّانِيَةِ نَافِلةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: مَنْعُهُ، بَل هِيَ عِنْدَنَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا سَبَقَ، وَسَنَذْكُرُ دَليلهُ وَاضِحًا فِي المَسْأَلةِ الثَّالثَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى والثاني: أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِصَلاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَال عَلى الجِنَازَةِ، فَإِنَّهَا نَافِلةٌ فِي حَقِّهِنَّ؛ لأَنَّهُنَّ لا يَدْخُلنَ فِي الفَرْضِ إذَا حَضَرَ الرِّجَال وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الحَاوِي عَلى هَذَا الجَوَابِ الثَّانِي فَإِنْ: قِيل: كَيْف تَقَعُ صَلاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا، وَلوْ تَرَكُوهَا لمْ يَأْثَمُوا، وَليْسَ هَذَا شَأْنُ الفُرُوضِ؟ فالجواب: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ ليْسَ بِفَرْضٍ فَإِذَا دَخَل فِيهِ صَارَ فَرْضًا، كَمَا إذَا دَخَل فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ. وَكَمَا فِي الوَاجِبِ عَلى التَّخْيِيرِ كَخِصَال الكَفَّارَةِ وَلوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الأُولى لوْ كَانَتْ أَلفًا أَوْ أُلوفًا وَقَعَتْ صَلاتُهُمْ جَمِيعُهُمْ فَرْضًا بِالاتِّفَاقِ وَمَعْلومٌ أَنَّ الفَرْضَ كَانَ يَسْقُطُ بِبَعْضِهِمْ، وَلا يَقُول أَحَدٌ: أَنَّ الفَرْضَ سَقَطَ"بِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَلى الإِبْهَامِ وَالبَاقُونَ مُتَنَفِّلونَ."
فَإِنْ: قِيل: قَدْ وَقَعَ فِي كَلامِ كَثِيرٍ مِنْ الأَصْحَابِ أَنَّ فَرْضَ الكِفَايَةِ إذَا فَعَلهُ مَنْ تَحْصُل بِهِ الكِفَايَةُ سَقَطَ الفَرْضُ عَنْ البَاقِينَ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُمْ كَيْف قُلتُمْ؟، تَقَعُ صَلاةُ الطَّائِفَةِ فَرْضًا؟ فالجواب: أَنَّ عِبَارَةَ المُحَقِّقِينَ: سَقَطَ الحَرَجُ عَنْ البَاقِينَ أَيْ: لا حَرَجَ عَليْهِمْ فِي تَرْكِ هَذَا الفِعْل فَلوْ فَعَلوهُ وَقَعَ فَرْضًا كَمَا لوْ فَعَلوهُ مَعَ الأَوَّلينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا: عِبَارَةُ مَنْ يَقُول سَقَطَ الفَرْضُ عَنْ البَاقِينَ فَمَعْنَاهَا سَقَطَ حَرَجُ الفَرْضِ وَإِثْمُهُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
الثالثة: إذَا صَلى عَلى الجِنَازَةِ جَمَاعَةٌ أَوْ وَاحِدٌ، ثُمَّ صَلتْ عَليْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ مَنْ صَلى أَوَّلًا أَنْ يُصَليَ ثَانِيًا مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:، أَصَحُّهَا: بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ لا يُسْتَحَبُّ لهُ الإِعَادَةُ، بَل المُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا والثاني: يُسْتَحَبُّ الإِعَادَةُ. ، وَهَذَانِ الوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ بِدَليليْهِمَا، وَذَكَرَهُمَا هَكَذَا أَيْضًا أَكْثَرُ الأَصْحَابِ الثالث: يُكْرَهُ الإِعَادَةُ وَبِهِ قَطَعَ الفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ العُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا.
وَالرَّابِعُ: حَكَاهُ البَغَوِيّ إنْ صَلى أَوَّلًا مُنْفَرِدًا أَعَادَ، وَإِنْ صَلى جَمَاعَةً فَلا (وَالصَّحِيحُ) : الأَوَّل، صَحَّحَهُ الأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الحَاوِي وَالقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَاليُّ وَغَيْرُهُمْ. وَادَّعَى إمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ اتِّفَاقَ، الأَصْحَابِ عَليْهِ، فَعَلى هَذَا لوْ صَلى ثَانِيًا صَحَّتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَحَبَّةٍ، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ فِي كُتُبِ الأَصْحَابِ. وَقَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: ظَاهِرُ كَلامِ الأَصْحَابِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ. قَال: وَعِنْدِي فِي بُطْلانِهَا احْتِمَالٌ وَالمَذْهَبُ صِحَّتُهَا، فَعَلى هَذَا قَال المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ: تَقَعُ نَفْلًا.
وَقَال القَاضِي حُسَيْنٌ إذَا صَلى تَقَعُ صَلاتُهُ الثَّانِيَةُ فَرْضَ، كِفَايَةٍ وَلا تَكُونُ نَفْلًا كَمَا لوْ صَلتْ