ج / 5 ص -140- الشرح: اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى أَنَّ الدُّعَاءَ فَرْضٌ فِي صَلاةِ الجِنَازَةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا وَأَقَلهُ مَا يَقَعُ عَليْهِ اسْمُ الدُّعَاءِ، وَهَل يُشْتَرَطُ تَخْصِيصُ المَيِّتِ بِالدُّعَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ.
أَحَدُهُمَا: لا يُشْتَرَطُ بَل يَكْفِي الدُّعَاءُ للمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَيَدْخُل فِيهِ المَيِّتُ ضِمْنًا، حَكَاهُ إمَامُ الحَرَمَيْنِ عَنْ وَالدِهِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيِّ.
وَالثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ، وَنَقَلهُ إمَامُ الحَرَمَيْنِ عَنْ ظَاهِرِ كَلامِ الأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ المَيِّتِ بِالدُّعَاءِ، وَلا يَكْفِي الدُّعَاءُ للمُؤْمِنِينَ وَللمُؤْمِنَاتِ، فَيَقُول: اللهُمَّ اغْفِرْ لهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ، وَنَحْوَ ذَلكَ، وَاسْتَدَلوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال"إذَا صَليْتُمْ عَلى المَيِّتِ فَأَخْلصُوا لهُ الدُّعَاءَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَمَحَل هَذَا الدُّعَاءِ التَّكْبِيرَةُ الثَّالثَةُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِيهَا لا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا بِلا خِلافٍ، وَليْسَ لتَخْصِيصِهِ بِهَا دَليلٌ وَاضِحٌ، وَاتَّفَقُوا عَلى أَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ لهَا دُعَاءٌ.
وأَمَّا: الأَفْضَل فَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالكٍ قَال"صَلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول: اللهُمَّ اغْفِرْ لهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلهُ وَاغْسِلهُ بِالمَاءِ وَالثَّلجَ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلهُ الجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَال: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلكَ المَيِّتُ لدُعَاءِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ مُسْلمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ مُسْلمٌ فِي رِوَايَةٍ لهُ"وَقِه فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ القَبْرِ"وَذَكَرَ تَمَامَهُ.
وَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَال"صَلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلى جِنَازَةٍ فَقَال: اللهُمَّ اغْفِرْ لحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرْنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلى الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإِيمَانِ"رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. قَال الحَاكِمُ: هُوَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلمٍ، وَهَذَا لفْظُ رِوَايَةِ أَكْثَرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد"فَأَحْيِهِ عَلى الإِيمَانِ"وَ"فَتَوَفَّهُ عَلى الإِسْلامِ"عَكْسُ رِوَايَةِ الجُمْهُورِ وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ"فَأَحْيِهِ عَلى الإِسْلامِ"وَ"فَتَوَفَّهُ عَلى الإِسْلامِ"بِلفْظِ الإِسْلامِ فِيهِمَا، وَهَذَا تَحْرِيفٌ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إبْرَاهِيمَ الأَشْهَليِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ المَذْكُورَةُ فِي الكِتَابِ وَإِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ. قَال التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ البُخَارِيُّ رحمه الله يَقُول: أَصَحُّ رِوَايَاتِ اللهُمَّ اغْفِرْ لحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا رِوَايَةُ الأَشْهَليِّ عَنْ أَبِيهِ قَال: وَقَال البُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالكٍ، وَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. وَحَكَى البَيْهَقِيُّ عَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ البُخَارِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَال: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا البَابِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَأَصَحُّ مَا فِي البَابِ حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالكٍ.