ج / 5 ص -112- كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ فَقَال"اغْسِلوا هَذَا وَزِيدُوا عَليْهِ ثَوْبَيْنِ، وَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلت: إنَّ هَذَا خَلقٌ، قَال: الحَيُّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنْ المَيِّتِ، إنَّمَا هُوَ للمُهْلةِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ - وَالمُهْلةُ بِضَمِّ المِيمِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا - هِيَ دَمُ المَيِّتِ وَصَدِيدُهُ، وَنَحْوُهُ. قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَيَجُوزُ تَكْفِينُ كُل إنْسَانٍ فِيمَا يَجُوزُ لهُ لبْسُهُ فِي الحَيَاةِ فَيَجُوزُ مِنْ القُطْنِ وَالصُّوفِ وَالكَتَّانِ وَالشَّعْرِ وَالوَبَرِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا الحَرِيرُ فَيَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُل فِيهِ، وَأَمَّا المَرْأَةُ فَالمَشْهُورُ القَطْعُ بِجَوَازِ تَكْفِينِهَا فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ لهَا لبْسُهُ فِي الحَيَاةِ، لكِنْ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا فِيهِ؛ لأَنَّ فِيهِ سَرَفًا وَيُشْبِهُ إضَاعَةَ المَال، بِخِلافِ اللبْسِ فِي الحَيَاةِ فَإِنَّهُ تَجَمُّلٌ للزَّوْجِ، وَحَكَى صَاحِبِ البَيَانِ فِي زِيَادَاتِ المُهَذَّبِ وَجْهًا أَنَّهُ لا يَجُوزُ، وَأَمَّا المُعَصْفَرُ وَالمُزَعْفَرُ فَلا يَحْرُمُ تَكْفِينُهَا فِيهِ بِلا خِلافٍ وَلكِنْ يُكْرَهُ عَلى المَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الأَكْثَرُونَ وَحَكَى صَاحِبَا العُدَّةِ وَالبَيَانِ وَجْهَيْنِ: ثَانِيهمَا لا يُكْرَهُ، قَالا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَال أَصْحَابُنَا: وَيُعْتَبَرُ فِي الكَفَنِ المُبَاحِ حَال المَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا مِنْ المَال فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَأَوْسَطُهَا، وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا فَخَشِنُهَا، هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرِهِمَا.
الثالثة: يُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الكَفَنِ إلا فِي حَقِّ المُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ، قَال أَصْحَابُنَا: صِفَةُ ذَلكَ أَنْ يَجْعَل الكَفَنَ عَلى عُودٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ يُبَخَّرُ كَمَا يُبَخَّرُ ثِيَابُ الحَيِّ حَتَّى تَعْبَقَ بِهَا رَائِحَةُ الطِّيبِ، قَال أَصْحَابُنَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ عُودًا وَيَكُونَ العُودُ غَيْرَ مُطَيَّبٍ بِالمِسْكِ، فَإِنْ كَانَ مُطَيَّبًا بِهِ جَازَ، وَيُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُهُ ثَلاثًا للحَدِيثِ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْسُطَ أَحْسَنَهَا وَأَوْسَعَهَا، ثُمَّ الثَّانِي [ثُمَّ] الذِي يَلي المَيِّتَ اعْتِبَارًا بِالحَيِّ فَإِنَّهُ يَجْعَل أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَأَوْسَعَهَا فَوْقَ الثِّيَابِ، وَكُلمَا فَرَشَ ثَوْبًا نَثَرَ فِيهِ الحَنُوطَ ثُمَّ يُحْمَل المَيِّتُ إلى الأَكْفَانِ مَسْتُورًا، وَيُتْرَكُ عَلى الكَفَنِ مُسْتَلقِيًا عَلى ظَهْرِهِ، وَيُؤْخَذُ قُطْنٌ مَنْزُوعُ الحَبِّ فَيُجْعَل فِيهِ الحَنُوطُ وَالكَافُورُ وَيُجْعَل بَيْن أَليَتَيْهِ، وَيُشَدُّ عَليْهِ كَمَا يُشَدُّ التُّبَّانُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ القُطْنَ، وَيَجْعَل عَليْهِ الحَنُوطَ وَالكَافُورَ وَيُتْرَكَ عَلى الفَمِ وَالمَنْخِرَيْنِ وَالعَيْنَيْنِ وَالأُذُنَيْنِ وَعَلى خُرَاجٍ نَافِذٍ إنْ كَانَ عَليْهِ ليُخْفِيَ مَا يَظْهَرُ مِنْ رَائِحَتِهِ وَيَجْعَل الحَنُوطَ وَالكَافُورَ عَلى قُطْنٍ وَيُتْرَكُ عَلى مَوَاضِعِ السُّجُودِ، لمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال:"يَتَتَبَّعُ بِالطِّيبِ مَسَاجِدَهُ"وَلأَنَّ هَذِهِ المَوَاضِعَ شُرِّفَتْ بِالسُّجُودِ فَخُصَّتْ بِالطِّيبِ قَال:"وَأُحِبُّ أَنْ يُطَيِّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِالكَافُورِ؛ لأَنَّ ذَلكَ يُقَوِّي البَدَنَ وَيَشُدُّهُ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَنِّطَ رَأْسَهُ وَلحْيَتَهُ بِالكَافُورِ كَمَا يَفْعَل الحَيُّ إذَا تَطَيَّبَ. قَال فِي البُوَيْطِيِّ:"فَإِنْ حُنِّطَ بِالمِسْكِ فَلا بَأْسَ لمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال:"المِسْكُ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ"وَهَل يَجِبُ الحَنُوطُ وَالكَافُورُ أَمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: وَقِيل: فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَجِبُ؛ لأَنَّهُ جَرَتْ بِهِ العَادَةُ فِي المَيِّتِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالكَفَنِ والثاني: أَنَّهُ لا يَجِبُ كَمَا لا يَجِبُ الطِّيبُ فِي حَقِّ المُفْلسِ، وَإِنْ وَجَبَتْ الكِسْوَةُ"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"المِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ"رَوَاهُ مُسْلمٌ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا، وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ:"مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ"بِزِيَادَةِ (مِنْ) وَالأَثَرُ المَذْكُورُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ"يَتَتَبَّعُ بِالطِّيبِ مَسَاجِدَهُ"رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَالحَنُوطُ - بِفَتْحِ الحَاءِ وَضَمِّ النُّونِ - هَذَا هُوَ المَشْهُورُ، وَيُقَال: الحِنَاطُ بِكَسْرٍ وَهُوَ أَنْوَاعٌ مِنْ الطِّيبِ يُخْلطُ للمَيِّتِ خَاصَّةً لا يُقَال فِي غَيْرِ طِيبِ المَيِّتِ حَنُوطٌ