ج / 5 ص -73- هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الحَدِيثِ، وَهُوَ الذِي قَالهُ جُمْهُورُ العُلمَاءِ وَشَذَّ الخَطَّابِيُّ فَذَكَرَ مَعَهُ تَأْوِيلًا آخَرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَحْسِنُوا أَعْمَالكُمْ حَتَّى يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِرَبِّكُمْ، فَمَنْ حَسُنَ عَمَلهُ حَسُنَ ظَنُّهُ وَمَنْ سَاءَ عَمَلهُ سَاءَ ظَنُّهُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ نَبَّهْت عَليْهِ لئَلا يُغْتَرَّ بِهِ.
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ للمَرِيضِ وَمَنْ حَضَرَتْهُ أَسْبَابُ المَوْتِ وَمُعَانَاتُهُ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الظَّنِّ بِاَللهِ تَعَالى، بِالمَعْنَى الذِي ذَكَرْنَاهُ، رَاجِيًا رَحْمَتَهُ، وَأَمَّا فِي حَال الصِّحَّةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ لأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُهُ المُتَوَلي وَغَيْرُهُمَا أحدهما: يَكُونُ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَوَاءً والثاني: يَكُونُ خَوْفُهُ أَرْجَحَ، قَال القَاضِي: هَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ هَذَا قَوْل القَاضِي وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الأَوَّل أَصَحُّ، وَدَليلهُ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ العَزِيزِ، فَإِنَّ الغَالبَ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَقْرُونَيْنِ كَقَوْلهِ تَعَالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] . {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:14-13] {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الانشقاق:7] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة: من الآية25] وَنَظَائِرُهُ مَشْهُورَةٌ وَقَال {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [لأعراف: 99] وَقَال {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} . وَقَدْ تَتَبَّعْت الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الوَارِدَةَ فِي الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَجَمَعْتُهَا فِي كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالحِينَ، فَوَجَدْت أَحَادِيثَ الرَّجَاءِ أَضْعَافَ الخَوْفِ، مَعَ ظُهُورِ الرَّجَاءِ فِيهَا، وَبِاَللهِ التَّوْفِيقُ.
وَيُسْتَحَبُّ للحَاضِرِ عِنْدَ المُحْتَضَرِ أَنْ يُطْمِعَهُ فِي رَحْمَةِ اللهِ تَعَالى، وَيَحُثَّهُ عَلى تَحْسِينِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى، وَأَنْ يَذْكُرَ لهُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ فِي الرَّجَاءِ وَيُنَشِّطَهُ لذَلكَ، وَدَلائِل مَا ذَكَرْته كَثِيرَةٌ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ ذَكَرْت مِنْهَا جُمْلةً فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ مِنْ كِتَابِ الأَذْكَارِ، وَفَعَلهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنهم عِنْدَ احْتِضَارِهِ، وَبِعَائِشَةَ أَيْضًا، وَفَعَلهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ بِأَبِيهِ وَكُلهُ فِي"الصَّحِيحِ".
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وتستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيدة المريض. فإن رجاه دعا له والمستحب أن يقول: (أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيك) سبع مرات لم روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله من ذلك المرض) وإن رآه منزولا به فالمستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنو موتاكم لا إله إلا الله وروي معذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ويستحب أن يقرأ عنده سورة يس لما روى معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اقرءوا على موتاكم يعني يس"، ويستحب أن يضجع1 على جنبه الأيمن مستقبل القبلة لما روت أم سلمى أم ولد رافع قالت: قالت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش و ق (يضطجع) (ط) .