ج / 5 ص -68- فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ، وَبِهَذَا قَال الأَئِمَّةُ كَافَّةً إلا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَال ليْسَ فِي الاسْتِسْقَاءِ صَلاةٌ.
قَال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: قَال أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: مُرَادُهُ ليْسَ فِيهِ صَلاةٌ مَسْنُونَةٌ كَمَا قَال: ليْسَ سُجُودُ الشُّكْرِ بِشَيْءٍ، أَيْ ليْسَ مَسْنُونًا، وَكَمَا قَال دُعَاءُ النَّاسِ ليْلةَ عَرَفَةَ بِالأَمْصَارِ وَليْسَ بِشَيْءٍ.
وَاحْتَجَّ لهُ بِقَوْلهِ تَعَالى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] . وَلمْ يَذْكُرْ صَلاةً، وَلحَدِيثِ أَنَسٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْقَى يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى المِنْبَرِ"وَبِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه"اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ رضي الله عنه وَلمْ يَذْكُرْ صَلاةً"وَبِالقِيَاسِ عَلى الزَّلازِل وَنَحْوِهَا.
دَليلنَا الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ المَشْهُورَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"صَلى فِي الاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ"مِنْهَا حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"خَرَجَ إلى المُصَلى فَاسْتَسْقَى وَصَلى رَكْعَتَيْنِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ"خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلى القِبْلةِ يَدْعُو، وَحَوَّل رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ".
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"شَكَوْا إليْهِ قُحُوطَ المَطَرِ فَذَكَرَتْ الحَدِيثَ إلى قَوْلهَا: فَخَطَبَ ثُمَّ أَقْبَل عَلى النَّاسِ وَنَزَل فَصَلى رَكْعَتَيْنِ. وَذَكَرَتْ الحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ."
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال"خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلي فِي العِيدِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. قَال التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي المَسْأَلةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وَعَنْ القِيَاسِ أَنَّهُ مَعْنَى سُنَّ لهُ الاجْتِمَاعُ وَالخُطْبَةُ فَسُنَّ لهُ الصَّلاةُ كَالعِيدِ وَالكُسُوفِ.
وَالجَوَابُ عَنْ الآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: ليْسَ فِيهَا نَفْيُ الصَّلاةِ وَإِنَّمَا فِيهَا الاسْتِغْفَارُ. وَنَحْنُ نَقُول بِالاسْتِغْفَارِ وَبِالصَّلاةِ بِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلمْ نُخَالفْ الآيَةَ الثاني أَنَّ الآيَةَ إخْبَارٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلنَا وَللأُصُوليَّيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلافٌ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ إذَا لمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِمُخَالفَتِهِ، أَمَّا إذَا وَرَدَ بِخِلافِهِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ. وَقَدْ ثَبَتَتْ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالصَّلاةِ.
وَالجَوَابُ عَنْ الحَدِيثِ وَفِعْل عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ لبَيَانِ الجَوَازِ، وَفِعْلٌ لأَحَدِ أَنْوَاعِ الاسْتِسْقَاءِ الثَّلاثَةِ التِي قَدَّمْنَا بَيَانَهَا، وَليْسَ فِيهِ نَفْيٌ للصَّلاةِ، فَفِي هَذَا بَيَانُ نَوْعٍ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيَانُ نَوْعٍ آخَرَ، فَلا تَعَارُضَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا الصَّلاةُ وَالجَوَابُ: عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلى الزَّلازِل أَنَّهَا لمْ يُسَنَّ لهَا الاجْتِمَاعُ وَالخُطْبَةُ بِخِلافِ الاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلى أَنَّهُ يُسَنُّ فِيهِ الاجْتِمَاعُ وَالخُطْبَةُ، وَلأَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ الصَّلاةَ فِي الاسْتِسْقَاءِ دُونَ الزَّلازِل، فَوَجَبَ اعْتِمَادُهَا دُونَ القِيَاسِ. وَاَللهُ أَعْلمُ.