ج / 5 ص -65- سُقِيَ النَّاسُ وَجَبَ عَليْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُوَفِّيَ نَذْرَهُ، فَإِنْ لمْ يَفْعَل فَعَليْهِ قَضَاؤُهُ، قَال: وَليْسَ عَليْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ لأَنَّهُ لا يَمْلكُهُمْ، وَلا نَذْرَ فِيمَا لا يَمْلكُ ابْنُ آدَمَ، وَليْسَ لهُ أَنْ يُكْرِهَهُمْ عَلى الاسْتِسْقَاءِ مِنْ غَيْرِ جَدْبٍ، قَال: وَلوْ نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَخْرُجَ ليَسْتَسْقِيَ كَانَ عَليْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ كَانَ عَليْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ وَلمْ يَكُنْ عَليْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ، قَال: وَأُحِبُّ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ مِنْ وَلدِهِ وَغَيْرِهِمْ. قَال فَإِنْ كَانَ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَخْطُبَ خَطَبَ وَذَكَرَ اللهَ تَعَالى، وَلهُ أَنْ يَدْعُوَ جَالسًا لأَنَّهُ ليْسَ فِي قِيَامِهِ - إذَا لمْ يَكُنْ وَاليًا وَلا مَعَهُ جَمَاعَةٌ - بِالذِّكْرِ طَاعَةٌ، قَال: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْطُبَ عَلى مِنْبَرٍ فَلهُ أَنْ يَخْطُبَ جَالسًا، وَليْسَ عَليْهِ أَنْ يَخْطُبَ عَلى مِنْبَرٍ، لأَنَّهُ لا طَاعَةَ فِي رُكُوبِهِ المِنْبَرَ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَذَا الإِمَامُ ليُسْمِعَ النَّاسَ. قَال: فَإِنْ كَانَ إمَامًا وَمَعَهُ نَاسٌ لمْ يَحْصُل الوَفَاءُ بِنَذْرِهِ إلا بِالخُطْبَةِ قَائِمًا لأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهَا إذَا كَانَ مَعَهُ نَاسٌ أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا، فَإِذَا وَقَفَ عَلى مِنْبَرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ قَائِمًا أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ. قَال وَلوْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ وَيَسْتَسْقِيَ أَحْبَبْت لهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ فِي المَسْجِدِ، وَلوْ اسْتَسْقَى فِي بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ. هَذَا آخِرُ نَصِّهِ.
وَقَال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِي هَذَا البَابِ: لوْ نَذَرَ الإِمَامُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ وَيُصَليَ بِهِمْ، قَال: وَلوْ نَذَرَهُ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ لزِمَهُ أَنْ يُصَليَ مُنْفَرِدًا وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ لمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لأَنَّهُمْ لا يُطِيعُونَهُ، قَال: وَلوْ نَذَرَ أَنْ يَخْطُبَ وَهُوَ مِنْ أَهْلهِ لزِمَهُ، وَهَل لهُ أَنْ يَخْطُبَ قَاعِدًا مَعَ القُدْرَةِ؟ فِيهِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى أَنَّ النَّذْرَ يَسْلكُ مَسْلكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَمْ مَسْلكَ وَاجِبِهِ؟.
الرابعة: قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَإِذَا كَثُرَتْ الأَمْطَارُ وَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَدْعُوَ بِرَفْعِهَا: اللهُمَّ حَوَاليْنَا وَلا عَليْنَا. قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَالأَصْحَابُ: وَلا يُشْرَعُ لذَلكَ صَلاةٌ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يُصَل لذَلكَ وَدَليل هَذِهِ المَسْأَلةِ حَدِيثُ أَنَسٍ قَال"دَخَل رَجُلٌ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَال: يَا رَسُول اللهِ هَلكَتْ الأَمْوَال وَانْقَطَعَتْ السُّبُل فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا، فَرَفَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَال اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا قَال أَنَسٌ: وَاَللهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ وَلا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلعٍ، يَعْنِي الجَبَل المَعْرُوفَ بِقُرْبِ المَدِينَةِ، مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ فَطَلعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْل التُّرْسِ، فَلمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلا وَاَللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، ثُمَّ دَخَل رَجُلٌ مِنْ ذَلكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلةِ، وَرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَال: يَا رَسُول اللهِ هَلكَتْ الأَمْوَال وَانْقَطَعَتْ السُّبُل فَادْعُ اللهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَليْنَا، فَرَفَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ فَقَال: اللهُمَّ حَوَاليْنَا وَلا عَليْنَا، اللهُمَّ عَلى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ.
وَأَمَّا قَوْل المُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ فِي أَثْنَاءِ دُعَاءِ الاسْتِسْقَاءِ لطَلبِ المَطَرِ: اللهُمَّ حَوَاليْنَا وَلا عَليْنَا، فَمَا أَنْكَرُوهُ عَليْهِ، وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا عِنْدَ كَثْرَةِ الأَمْطَارِ وَحُصُول الضَّرَرِ بِهَا، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الحَدِيثِ وَنَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله.
الخامسة: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَال"صَلى بِنَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ الليْل، فَلمَّا انْصَرَفَ أَقْبَل عَلى النَّاسِ فَقَال:"