ج / 5 ص -60- أَمَّا الأَحْكَامُ: فَقَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ خُطْبَتَيْنِ أَرْكَانُهُمَا وَشُرُوطُهُمَا وَهَيْئَاتُهُمَا كَمَا سَبَقَ فِي العِيدِ، وَفِي اسْتِحْبَابِ الجُلوسِ إذَا صَعِدَ المِنْبَرَ الوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي العِيدِ، وَالصَّحِيحُ المَنْصُوصُ اسْتِحْبَابُهُ، لكِنْ يُخَالفُهَا فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ أحدها: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْدِل التَّكْبِيرَاتِ المَشْرُوعَةَ فِي أَوَّل خُطْبَتَيْ العِيدِ بِالاسْتِغْفَارِ، فَيَسْتَغْفِرَ اللهَ تَعَالى فِي افْتِتَاحِ الأُولى تِسْعَ مَرَّاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا وَلا يُكَبِّرَ. قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَقُول"أَسْتَغْفِرُ اللهَ الذِي لا إلهَ إلا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إليْهِ"وَيَخْتِمُ كَلامَهُ بِالاسْتِغْفَارِ وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي الخُطْبَةِ وَمِنْ قوله تعالى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] الآية.
وَذَكَرَ المَحَامِليُّ فِي المَجْمُوعِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي افْتِتَاحِ الخُطْبَةِ كَمَا فِي خُطْبَةِ العِيدِ وَحَكَاهُ عَنْهُ أَيْضًا صَاحِبُ البَيَانِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ فَإِنَّهُ قَال: وَيَخْطُبُ الإِمَامُ فِي الاسْتِسْقَاءِ خُطْبَتَيْنِ كَمَا يَخْطُبُ فِي صَلاةِ العِيدَيْنِ، يُكَبِّرُ اللهَ فِيهِمَا وَيَحْمَدُهُ، وَيُصَلي عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيُكْثِرُ فِيهِمَا الاسْتِغْفَارَ، حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ كَلامِهِ. هَذَا نَصُّهُ. وَمُقْتَضَى إطْلاقِ المُصَنِّفِ أَنَّهُ لا يَأْتِي بِالاسْتِغْفَارِ، وَالمَشْهُورُ اسْتِحْبَابُ الاسْتِغْفَارِ تِسْعًا فِي افْتِتَاحِ الخُطْبَةِ الأُولى، وَسَبْعًا فِي الثَّانِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِمْ.
والثاني: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِي الخُطْبَةِ الأُولى بِهَذَا الدُّعَاءِ المَذْكُورِ فِي الكِتَابِ وَإِنْ عَدَل إلى دُعَاءٍ غَيْرِهِ جَازَ، لكِنَّ هَذَا أَفْضَل، وَمِنْ الدُّعَاءِ المُسْتَحَبِّ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك، وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلدَك المَيِّتَ، اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لا إلهَ إلا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِل عَليْنَا الغَيْثَ، وَاجْعَل مَا أَنْزَلتَ لنَا قُوَّةً وَبَلاغًا إلى حِينٍ".
الثَّالثُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الخُطْبَةِ الأُولى وَصَدْرِ الثَّانِيَةِ مُسْتَقْبِل النَّاسِ مُسْتَدْبِرَ القِبْلةِ، ثُمَّ مُسْتَقْبِل القِبْلةِ وَيُبَالغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَإِذَا أَسَرَّ دَعَا النَّاسُ سِرًّا، وَإِذَا جَهَرَ أَمَّنُوا، وَيَرْفَعُونَ كُلهُمْ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلى السَّمَاءِ"قَال الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: قَال العُلمَاءُ: السُّنَّةُ لكُل مَنْ دَعَا لدَفْعِ بَلاءٍ أَنْ يَجْعَل ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلى السَّمَاءِ، وَإِنْ دَعَا لطَلبِ شَيْءٍ جَعَل بَطْنَ كَفَّيْهِ إلى السَّمَاءِ.
قَال الشَّافِعِيُّ: وَليَكُنْ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي هَذِهِ الحَالةِ"اللهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك، وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتَنَا فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللهُمَّ اُمْنُنْ عَليْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِك فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ رِزْقِنَا"فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ أَقْبَل بِوَجْهِهِ عَلى النَّاسِ وَحَثَّهُمْ عَلى طَاعَةِ اللهِ تَعَالى، وَصَلى عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَدَعَا للمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَقَرَأَ آيَةً مِنْ القُرْآنِ أَوْ آيَتَيْنِ، وَيَقُول: أَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلكُمْ. هَذَا لفْظُ الشَّافِعِيِّ. قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَيُكْثِرُ مِنْ الاسْتِغْفَارِ وَمَنْ قَوْل {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} .