ج / 5 ص -46- العِيدِ وَالكُسُوفِ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُهُمَا بِالخُطْبَتَيْنِ لأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ هَكَذَا قَالوهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لأَنَّ السُّنَّتَيْنِ إذَا لمْ تَتَدَاخَلا لا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَهُمَا بِصَلاةٍ وَاحِدَةٍ وَلهَذَا لوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ صَلاةَ الضُّحَى وَقَضَاءَ سُنَّةِ الصُّبْحِ لا تَنْعَقِدُ صَلاتُهُ، وَلوْ ضَمَّ إلى فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ نِيَّةَ تَحِيَّةِ المَسْجِدِ لمْ يَضُرَّ، لأَنَّهَا تَحْصُل ضِمْنًا فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهَا قَال الشَّافِعِيُّ فِي البُوَيْطِيِّ: لوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ، وَجِنَازَةٌ، يَعْنِي وَالوَقْتُ مُتَّسِعٌ بَدَأَ بِالجِنَازَةِ ثُمَّ الكُسُوفِ، ثُمَّ العِيدِ، ثُمَّ الاسْتِسْقَاءِ، فَإِنْ خَطَبَ للجَمِيعِ خُطْبَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ.
قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: وَإِذَا بَدَأَ بِالكُسُوفِ قَبْل الجُمُعَةِ خَفَّفَهَا فَقَرَأَ فِي كُل رَكْعَةٍ بِالفَاتِحَةِ، وَقُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
قَال فِي الأُمِّ: وَإِنْ كَانَ الكُسُوفُ بِمَكَّةَ عِنْدَ رَوَاحِ الإِمَامِ وَالنَّاسُ فِي اليَوْمِ الثَّامِنِ إلى مِنًى صَلوا الكُسُوفَ، فَإِنْ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ صَلاةُ الظُّهْرِ بِمِنًى صَلاهَا بِمَكَّةَ، قَال: وَإِنْ كَانَ الكُسُوفُ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الزَّوَال قَدَّمَ الكُسُوفَ ثُمَّ صَلى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَهُمَا بَدَأَ بِهِمَا، ثُمَّ صَلى الكُسُوفَ، وَلمْ يَتْرُكْهُ للوُقُوفِ، وَخَفَّفَ صَلاةَ الكُسُوفِ وَالخُطْبَةَ قَال: وَإِنْ كَسَفَتْ وَهُوَ فِي المَوْقِفِ بَعْدَ العَصْرِ صَلى الكُسُوفَ ثُمَّ خَطَبَ عَلى بَعِيرِهِ وَدَعَا، قَال: وَإِنْ خَسَفَ القَمَرُ قَبْل الفَجْرِ بِالمُزْدَلفَةِ أَوْ بَعْدَهُ صَلى الكُسُوفَ وَخَطَبَ، وَلوْ حَبَسَهُ ذَلكَ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ، وَيُخَفِّفُ لكَيْ لا يَحْبِسَهُ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ إنْ قَدِرَ، قَال: وَإِنْ خَسَفَ القَمَرُ وَقْتَ صَلاةِ القِيَامِ يَعْنِي التَّرَاوِيحَ بَدَأَ بِصَلاةِ الخُسُوفِ.
فَصْلٌ: اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ عَلى قَوْل الشَّافِعِيِّ: اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ، وَقَالتْ هَذَا مُحَالٌ لأَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ لا يَقَعُ إلا فِي الثَّامِنِ وَالعِشْرِينَ أَوْ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ وَكُسُوفَ القَمَرِ لا يَكُونُ فِي وَقْتِ صَلاةِ العِيدِ، وَلا يَكُونُ إلا ليْلةَ الرَّابِعِ عَشَرَ أَوْ الخَامِسِ عَشَرَ، وَأَجَابَ الأَصْحَابُ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ.
أحدها: أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى يَزْعُمُهَا المُنَجِّمُونَ، وَلا نُسَلمُ انْحِصَارَهُ فِيمَا يَقُولونَ بَل نَقُول: الكُسُوفُ مُمْكِنٌ فِي غَيْرِ اليَوْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وَاَللهُ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَدْ جَاءَ مِثْل مَا قُلنَاهُ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ تُوُفِّيَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بِكَارٍ، وَسُنَنِ البَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ عَاشِرَ شَهْرِ رَبِيعِ الأَوَّل سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الهِجْرَةِ وَإِسْنَادُهُ - وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا - فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي مِثْل هَذَا، لأَنَّهُ لا يُرَتَّبُ عَليْهِ حُكْمٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ أَهْل العِلمِ مُتَّفِقُونَ عَلى العَمَل بِالضَّعِيفِ فِي غَيْرِ الأَحْكَامِ وَأُصُول العَقَائِدِ؛ وَأَيْضًا فَقَدْ نُقِل مُتَوَاتِرًا أَنَّ الحُسَيْنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما قُتِل يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ - بِفَتْحِ القَافِ وَكَسْرِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ - وَغَيْرُهُ: أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ قُتِل الحُسَيْنُ رضي الله عنه
الثاني: يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ العِيدِ فِي الثَّامِنِ وَالعِشْرِينَ بِأَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ بِنُقْصَانِ رَجَبٍ وَآخَرَانِ بِنُقْصَانِ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَكَانَتْ فِي الحَقِيقَةِ كَامِلةً فَيَقَعُ العِيدُ فِي الثَّامِنِ وَالعِشْرِينَ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ الذِي كُلفْنَاهُ
الثَّالثِ: لوْ لمْ يَكُنْ ذَلكَ مُمْكِنًا كَانَ تَصْوِيرُ الفُقَهَاءِ لهُ حَسَنًا للتَّدَرُّبِ بِاسْتِخْرَاجِ الفُرُوعِ الدَّقِيقَةِ وَتَنْقِيحِ الأَفْهَامِ كَمَا يُقَال فِي مَسَائِل الفَرَائِضِ"تَرْكُ مِائَةِ جَدَّةٍ"مَعَ أَنَّ هَذَا العَدَدَ لا يَقَعُ فِي العَادَةِ وَاَللهُ أَعْلمُ.