ج / 5 ص -43- الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى اسْتِحْبَابِ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ صَلاةِ الكُسُوفِ، وَهُمَا سُنَّةٌ ليْسَا شَرْطًا لصِحَّةِ الصَّلاةِ قَال أَصْحَابُنَا: وَصِفَتُهُمَا كَخُطْبَتَيْ الجُمُعَةِ فِي الأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَغَيْرِهِمَا، سَوَاءٌ صَلاهَا جَمَاعَةٌ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ صَلاهَا المُسَافِرُونَ فِي الصَّحْرَاءِ وَأَهْل البَادِيَةِ، وَلا يَخْطُبُ مَنْ صَلاهَا مُنْفَرِدًا، وَيَحُثُّهُمْ فِي هَذِهِ الخُطْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِنْ المَعَاصِي، وَعَلى فِعْل الخَيْرِ، وَالصَّدَقَةِ وَالعَتَاقَةِ، وَيُحَذِّرُهُمْ الغَفْلةَ وَالاغْتِرَارَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِكْثَارِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ، فَفِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال ذَلكَ فِي خُطْبَتِهِ.
قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: وَيَجْلسُ قَبْل الخُطْبَةِ الأُولى كَمَا فِي الجُمُعَةِ، هَذَا نَصُّهُ، وَيَجِيءُ فِيهِ الوَجْهُ السَّابِقُ فِي خُطْبَةِ العِيدِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ خُطْبَتَيْنِ بَعْدَ صَلاةِ الكُسُوفِ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ السَّلفِ وَنَقَلهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ الجُمْهُورِ وَقَال مَالكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: لا تُشْرَعُ لهَا الخُطْبَةُ دَليلنَا الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ لمْ يُصَل حَتَّى تَجَلتْ لمْ يُصَل، لمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال:"فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلكَ فَصَلوا حَتَّى تَنْجَليَ"فَإِنْ تَجَلتْ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ أَتَمَّهَا لأَنَّهَا صَلاةُ أَصْلٍ فَلا يَخْرُجُ مِنْهَا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ الصَّلوَاتِ، وَإِنْ جَللتْهَا غَمَامَةٌ وَهِيَ كَاسِفَةٌ صَلى لأَنَّ الأَصْل بَقَاءُ الكُسُوفِ، وَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً لمْ يُصَل لأَنَّهُ لا سُلطَانَ لهَا بِالليْل، وَإِنْ غَابَ القَمَرُ وَهُوَ كَاسِفٌ - فَإِنْ كَانَ قَبْل طُلوعِ الفَجْرِ - صَلى لأَنَّ سُلطَانَهُ بَاقٍ، وَإِنْ غَابَ بَعْدَ طُلوعِ الفَجْرِ فَفِيهِ قَوْلانِ قَال فِي القَدِيمِ: لا يُصَلي لأَنَّ سُلطَانَهُ بِالليْل وَقَدْ ذَهَبَ الليْل وَقَال فِي الجَدِيدِ: يُصَلي لأَنَّ سُلطَانَهُ بَاقٍ مَا لمْ تَطْلعْ الشَّمْسُ لأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِضَوْئِهِ، وَإِنْ صَلى وَلمْ يَنْجَل لمْ يُصَل مَرَّةً أُخْرَى لأَنَّهُ لمْ يُنْقَل ذَلكَ عَنْ أَحَدٍ".
الشرح: حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ وَقَوْلهُ"لأَنَّهَا صَلاةُ أَصْلٍ فَلا يَخْرُجُ مِنْهَا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا"قَال صَاحِبُ البَيَانِ: هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ وَقَال القَلعِيُّ هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ الجُمُعَةِ عَلى القَوْل القَدِيمِ أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ، وَمِنْ المُسَافِرِ إذَا خَرَجَ الوَقْتُ وَهُوَ فِي صَلاةٍ نَوَى قَصْرَهَا وَقُلنَا إنَّ مَا يَفْعَلهُ بَعْدَ الوَقْتِ قَضَاءٌ، إذْ مَنْ فَاتَهُ صَلاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَتَمَّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ صَلاةِ القَصْرِ إلى صَلاةِ الإِتْمَامِ.
أما الأحكام: فَقَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: تَفُوتُ صَلاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِأَمْرَيْنِ:
أحدهما: الانْجِلاءُ، فَإِذَا انْجَلتْ جَمِيعُهَا لمْ يُصَل للحَدِيثِ وَإِنْ انْجَلى بَعْضُهَا شَرَعَ فِي الصَّلاةِ للبَاقِي كَمَا لوْ لمْ يَنْكَشِفْ إلا ذَلكَ القَدْرُ فَإِنَّهُ يُصَلي بِلا خِلافٍ، وَإِنْ انْجَلى جَمِيعُ الكُسُوفِ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ أَتَمَّهَا بِلا خِلافٍ، وَلوْ حَال دُونَهَا سَحَابٌ - وَشَكَّ فِي الانْجِلاءِ - صَلى لأَنَّ الأَصْل بَقَاءُ