ج / 5 ص -23- لهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمَ العِيدِ فَرَأَى أَنَّهُ لمْ يُسْمِعْ النِّسَاءَ فَأَتَاهُنَّ فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ.
فرع: لوْ خَطَبَ قَبْل صَلاةِ العِيدِ فَهُوَ مُسِيءٌ، وَفِي الاعْتِدَادِ بِالخُطْبَةِ احْتِمَالٌ لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ الصَّحِيحُ بَل الصَّوَابُ أَنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهَا، لقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"صَلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلي"وَقِيَاسًا عَلى السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ إذَا قَدَّمَهَا عَليْهَا، وَهَذَا الذِي صَحَحْتُهُ هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الأُمِّ وَنَقَلهُ أَيْضًا القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ نَصِّهِ فِي الأُمِّ قَال: قَال: فَإِنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ قَبْل الصَّلاةِ رَأَيْتُ أَنْ يُعِيدَ الخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَإِنْ لمْ يَفْعَل لمْ يَكُنْ عَليْهِ إعَادَةُ صَلاةٍ وَلا كَفَّارَةٌ، كَمَا لوْ صَلى وَلمْ يَخْطُبْ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الخُطْبَةَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ، وَلهَذَا قَال: كَمَا لوْ صَلى وَلمْ يَخْطُبْ.
فرع: قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: أَكْرَهُ للمَسَاكِينِ إذَا حَضَرُوا العِيدَ المَسْأَلةَ فِي حَال الخُطْبَتَيْنِ، بَل يَنْكَفُّونَ عَنْ المَسْأَلةِ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ الخُطْبَتَيْنِ، قَال: فَإِنْ سَأَلوا فَلا شَيْءَ عَليْهِمْ فِيهَا إلا تَرْكَ الفَضْل فِي الاسْتِمَاعِ.
فرع: قَال أَصْحَابُنَا: الخُطَبُ المَشْرُوعَةُ عَشْرٌ، خُطْبَةُ الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ، وَالكُسُوفَيْنِ وَالاسْتِسْقَاءِ، وَأَرْبَعُ خُطَبٍ فِي الحَجِّ، وَكُلهَا بَعْدَ الصَّلاةِ إلا خُطْبَةَ الجُمُعَةِ وَخُطْبَةَ الحَجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكُلهَا يُشْرَعُ فِيهَا خُطْبَتَانِ إلا الثَّلاثَ البَاقِيَةَ مِنْ الحَجِّ فَإِنَّهُنَّ فُرَادَى، قَال أَصْحَابُنَا: وَالفَرْقُ بَيْنَ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ وَالعِيدِ فِي التَّقَدُّمِ عَلى الصَّلاةِ وَالتَّأَخُّرِ مِنْ أَوْجُهٍ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الجُمُعَةِ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"رَوَى المُزَنِيّ رحمه الله أَنَّهُ يَجُوزُ صَلاةُ العِيدِ للمُنْفَرِدِ وَالمُسَافِرِ وَالعَبْدِ وَالمَرْأَةِ وَقَال فِي الإِمْلاءِ وَالقَدِيمِ، وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ: لا يُصَلى العِيدُ حَيْثُ لا تُصَلى الجُمُعَةُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: فِيهَا قولان: أحدهما: لا يُصَلونَ"؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ بِمِنًى مُسَافِرًا يَوْمَ النَّحْرِ فَلمْ يُصَل"وَلأَنَّهَا صَلاةٌ شُرِعَ لهَا الخُطْبَةُ وَاجْتِمَاعُ الكَافَّةِ فَلمْ يَفْعَلهَا المُسَافِرُ كَالجُمُعَةِ والثاني: يُصَلونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلأَنَّهَا صَلاةُ نَفْلٍ فَجَازَ لهُمْ فِعْلهَا كَصَلاةِ الكُسُوفِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: يَجُوزُ لهُمْ فِعْلهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَتَأَوَّل مَا قَال فِي الإِمْلاءِ وَالقَدِيمِ عَلى أَنَّهُ أَرَادَ لا يُصَلي بِالاجْتِمَاعِ وَالخُطْبَةِ حَيْثُ لا تُصَلى الجُمُعَةُ؛ لأَنَّ فِي ذَلكَ افْتِيَاتًا عَلى السُّلطَانِ".
الشرح: حَدِيثُ تَرْكِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلاةَ العِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ، وَقَوْلهُ: اجْتِمَاعِ الكَافَّةِ، هَذَا لحْنٌ عِنْدَ أَهْل العَرَبِيَّةِ فَلا يُقَال: الكَافَّةُ وَلا كَافَّةُ النَّاسِ، فَلا يُسْتَعْمَل بِالأَلفِ وَاللامِ وَلا مُضَافًا، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَل حَالًا فَيُقَال اجْتِمَاعُ النَّاسِ كَافَّةً؛ كَمَا قَال اللهُ تَعَالى {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] وَلا تَغْتَرَّنَّ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالهَا لحْنًا فِي كُتُبِ الفِقْهِ وَالخُطَبِ النَّبَاتِيَّةِ1 وَالمَقَامَاتِ وَغَيْرِهَا وقوله: الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نسبة إلى الخطيب ابن يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباته الحذاقي صاحب الخطب المشهورة.=